بعض طرقنا “شوفة عينك”

بقلم | عمر بن عبد الرحمن الشدي @alsheddi
“شوفة عينك”!، هو جواب مواطنين ومنهم أنا عن حال بعض الطرق وخاصة داخل الأحياء، ففي كل مرة تُعبّد فيها طريق جديدة، يتنفس الأهالي الصعداء ظنًا منهم أن معاناتهم مع الحفر والتشققات قد انتهت، لكن سرعان ما تُفاجئهم معدات الحفر من جديد، تنقضّ على طبقة الأسفلت الحديثة كمن لم يرها من قبل، فيبدأ مسلسل الحفر ثم الردم ثم الهبوط الذي لا ينتهي.
تتكرر المشاهد في مختلف مدن المملكة: طريق حديث السفلتة، تليه مشاريع مياه أو كهرباء أو اتصالات، ثم أعمال ردم غير متقنة، تتبعها تشققات وهبوط أرضية تظهر خلال أسابيع النتيجة النهائية، طريق غير آمن، ومشهد بصري مشوّه، وهدر مالي كبير، وانخفاض نسب السلامة في تلك الطرق، كذلك ترتفع تكاليف الصيانة للمركبات التي تتأثر على المدى البعيد “فكثر الطرق يفك اللحام”، حيث تحول الطريق الانسيابي الى مضمار رالي سيارات غير معبد!..
ويُجمع مهندسين على أن أبرز أسباب هذه المشكلة هو قلة التنسيق بين الجهات الخدمية، فكل جهة تنفذ مشروعها بمعزل عن الأخرى، دون وجود “خطة موحدة” تحدد الترتيب الزمني لأعمال الخدمات قبل سفلتة الطريق.
يقول مهندس صديق وهو أحد المشرفين في مجال البنية التحتية، إن المشكلة تبدأ من تحت الأرض، حيث تُعاد طبقات التربة بعد الحفر بشكل عشوائي دون إعادة دكها علميًا، مما يترك جيوبًا هوائية تؤدي إلى هبوط الأسفلت بعد فترة قصيرة، خصوصًا مع الأمطار أو مرور الشاحنات الثقيلة، أو تسفلة منطقة الحفر بكمية زائدة من الأسفلت كي يتفادون الهبوط فتتحول إلى مطبات صناعية.
ويضيف أن “بعض المقاولين ينجزون أعمال الردم في يوم واحد اختصارًا للوقت، بينما تتطلب المعايير الفنية نحو ثلاثة أيام على الأقل لضمان استقرار الطبقات”، مع وجود إشراف ورقابة على كل خطوة ومرحلة من السفلتة فلا تبدأ مرحلة إلا بعد تأكد المهندس المختص من الجهة الرقابية من سلامة ما صنع في المرحلة، كذلك عدم تطبيق النظام الصارم لمتابعة الاشتراطات الملزمة للمقاولين، ويجب بعد حدوث مشكلة ما بعد السفلتة ولو بمدة أن تطال العقوبة المتسبب والمشرف من الجهة الرقابية، وإلزام المقاول بتصحيحها وذلك بإعادة العمل من جديد بخلاف الغرامات المالية وإيقاف التصنيف لمدة معينة وفي حال التكرار يكون الاستبعاد نهائياً، أعتذر إذا راني أحدهم قاسياً هنا ولكن المشكلة مؤلمة جداً.
وقد يرد أحد المسؤولين علي بأنه يوجد تنسيق واشتراطات صارمة وتطبق بحق المقاول المخطئ، وأعتقد أن الرد سيكون عليه إثبات ذلك على سلامة الطرق اذا كان ذلك مطبقاً، وممكن أن يزورني وأخذ معه جولة لتأكيد عكس ذلك!
وحسب اطلاعي المتواضع كمواطن مستخدم للطرق، أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن إعادة سفلتة الطرق بعد الحفريات تكلّف البلديات مئات الملايين سنويًا، وهي مبالغ كان يمكن توجيهها لمشاريع تطويرية أخرى لو تم التخطيط المشترك بين الجهات الخدمية منذ البداية، كذلك تأهيل مقاولي الحفر والتمديد، لتقليل الهدر المالي في الصيانة وإعادة تأهيل الطرق ورفع من عمرها لافتراضي، وأعتقد أن أكبر مظلوم هنا بعد المواطن هي جهة البلديات التي تدفع الثمن من ميزانيتها لإعادة تأهيل الطرق.
وبما يجب على البلديات أن لا تبدأ في السفلتة إلا بعد استكمال جميع أعمال البنية التحتية في المنطقة، أو لا يسلم حي جديد الا بعد استكمال أعمال البنى التحتية وتمديد جميع الخدمات، أو أن توكل جميع أعمال الردم والسفلتة للبلديات فقط، أما الحفر والتمديد لمقاول الجهة المستفيدة، وتتفاهم تلك الجهات الخدمية حول رسوم تلك الخدمات بينها.
وأيضا يجب أن يكون هناك جزء من إنفاق الجهات المنتفعة “الكهرباء والماء والمجاري والاتصالات والنقل والبلديات وغيرها على الأبحاث والتطوير في حلول مستدامة للبنى التحتية، تحافظ على المال العام من الهدر وتحوله إلى مشاريع منفعة أخرى.
المطلوب اليوم ليس البحث عن جهة تُلام، بل عن آلية تكامل حقيقية بين جميع الأطراف. فمشاريع المياه والكهرباء والاتصالات والبلديات ليست متنافسة، بل مكملة لبعضها، وما لم تعمل وفق رؤية واحدة، ستبقى طرقنا تدفع ثمن غياب التنسيق.
فالطريق الجيد ليس فقط طبقة أسفلت متقنة، بل نتاج تخطيطٍ متكاملٍ بين مؤسسات الدولة، يحترم المال العام، ويضع سلامة المواطن وجودة حياته في مقدمة الأولويات.


