رمضانيات / ٣ .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي
في رمضان، يتغيّر تعريف الجهد دون إعلان رسمي.
المطبخ يصبح قلب البيت النابض، لا لأن الطعام يُطهى فيه فحسب، بل لأن الوقت يُدار هناك بدقّة عاطفية: نارٌ لا ينبغي أن تخمد، وطبقٌ لا يجوز أن يتأخر، ومائدةٌ يجب أن تصلها السكينة قبل أن يصلها الطعام.
الأم — وفي المشهد أحياناً الأخت الكبرى — تدير هذا الكون الصغير بصبرٍ لا يُرى.
تتحرّك بين الأواني والصواني كما لو كانت تفاوض الوقت على التمديد ، فيما تقف بعض الفتيات على أطراف المشهد بدور المراقب الهادئ… حضورٌ خفيف، ومساعدةٌ مؤجّلة، وسؤالٌ يتكرر ببراءة: «خلصتي؟»
وللفتيات ” الرقميات ” اللواتي يكتفين بالمشاهدة أكثر من المشاركة نقول : يفوتكنّ تدريبٌ عمليّ لا يقدَّر بثمن فمطبخ رمضان ليس مساحة طهي فحسب، بل ورشة تأهيلٍ حقيقية للمهارة والحضور حاضرا و مستقبلا.. فهناك تُصاغ السمعة الأولى: إمّا أن تُعرف لاحقاً بأنها بنت ” سنعه ” أو “بنت عَولة” وفي قولٍ آخر لا نرجوه – رفله- والفرق يبدأ بخطوةٍ نحو الموقد لا نحو الشاشة.
وعند المائدة تبدأ لجنة التذوّق غير المعلنة عملها:
سمبوسة لذعت، لقيمة احمرّت، ملحٌ كان يمكن أن يكون أهدأ.
ملاحظات تُقال عابرة، لكنها لا تعرف أن خلفها ساعاتٍ من الوقوف، ونيةً صادقة أن يكون الإفطار لحظة دفء لا مجرّد وجبة.
في المجلس، يدور صراعٌ رمزيّ لطيف:
الدلّة المهيّلة تتشبّث بوقارها ، و الـ V60 تقدّم نفسها كخيارٍ عصريّ محسوب .. بينما الشاي المخدّر يكتفي بثقته القديمة، ومجده المتجذر وعلى كف غير بعيد تطل “الإسبنش لاتيه” بابتسامةٍ مترفة ، ولا بأس بصورة تبث لاحقا على ان اختلاف الأذواق هنا لا يفرّق… بل يوسّع دائرة الاجتماع مع قليل من المناكفة المحببة .
وسط هذا كله، تبرز الحقيقة الأبسط والأعمقو الاصدق:
هناك نساء يصنعن من التعب عبادةً يومية، ويحوّلن التفاصيل الصغيرة إلى طمأنينةٍ عامة.. و يقمن بعمل لا يُعلن، لكنه حتما يصل .
لأمهاتنا وأخواتنا:
لكُنّ الشكر بما يليق بما بذلتن، والدعاء أن يكتب الله لكنّ أجر إفطار الصائم أضعافاً مضاعفة، وأن يجعل ما قدّمتنّه نوراً ممتداً في القلوب قبل البيوت.
وتقبل الله طاعاتكم
* كاتب رأي

