《المُدَرِّكِين يسوقون أمها》 .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي
حدثني فقال : في ريعان الصبا كنت أعتقد أنني أمتلك من الحيل والمراوغات ما يجعلني حالة شبابية نادرة و كنت مقتنعاً بأن أبي – رغم وقاره رحمه الله – لا يعرف شيئاً عن مغامراتنا الصغيرة ولا يفهم كيف ننجح في العودة إلى البيت بوجوه بريئة بعد يوم حافل بالأعذار المحكمة .. كان أبي ينظر إليّ أحياناً بابتسامة غامضة .. ابتسامة لم أكن أفهمها آنذاك وأفسرها على أنها دليل واضح على أنه لا يدرك شيئاً مما يجري.
مرت السنوات وكبرت ثم وجدت نفسي فجأة في الجهة الأخرى من الحكاية: أبٌ لديه أبناء.. وهنا اكتشفت المفارقة الكبرى وهي أن الأبناء اليوم يعتقدون تماما ما كنت أعتقده أنا بالأمس.. فهم مقتنعون أنهم الجيل الأكثر دهاءً في تاريخ الشباب، وأن آباءهم – مهما حاولوا – لا يمكن أن يفهموا تفاصيل عالمهم .. وكم مرة قلت لهم بنبرة الخبير:
يا جماعة، أنا لم أنزل عليكم ( ببرشوت ) أنا مررت بكل هذه المراحل فلا ( تسوقونها علي ) لكنهم يتبادلون نظرات صامتة ويتغامزون، وكأن لسان حالهم يقول: نعرف .. لكنك لا تعرف أننا نعرف أنك لا تعرف.
الغريب أن كل جيل يعتقد أنه اخترع الشباب من جديد وأن ما يفعله لم يفعله أحد قبله بينما الحقيقة البسيطة هي أن الشباب – عبر التاريخ – يعيدون الحكاية نفسها مع تحديث بسيط في الأدوات وتوظيف التقنية.. فنحن كنا نختبئ خلف الأعذار وهم يختبئون خلف كلمة المرور ، و نحن كنا نغيب بحجة المذاكرة وهم يغيبون بحجة ضعف الشبكة او ( جوالي طافي ما فيه شحن ).
وهكذا يستمر صراع الأجيال، لا كصراع حقيقي، بل كمسرحية قديمة يتبادل فيها الناس الأدوار فالشاب يظن أنه الأذكى، وألاب يحاول إقناعه بأنه كان يوماً شاباً مثله .. أما الحقيقة التي يكتشفها الإنسان متأخراً قليلاً فهي بسيطة جداً :
حين كنا صغاراً كنا نظن أن آباءنا لا يفهموننا ، وحين كبرنا اكتشفنا الحقيقة المحرجة المتمثلة في أنهم كانوا يفهموننا أكثر مما كنا نتمنى.
لذلك و احسن لنا ولكم ايها الشباب ( فكوا و نفك ) و ( كل واحد يصلح سيارته ).



موضوع شيق ورائع يغطيه زهير بن أبي سلمى في معلقته…
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ
وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ