كلية الفيحاء الأهلية

أعضاء هيئة التدريس بكلية الفيحاء الأهلية بالجبيل: ميول الطالب أساس النجاح وليس ضغوط المجتمع

كيف يؤثر اختيار التخصص بالقوة على مستقبل أبنائنا؟

الجبيل – ريم الدوسري

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم وسوق العمل، تناقش “جيل اليوم” قضية محورية تتمثل في اختيار التخصص الجامعي، في وقت يتزايد فيه الوعي بأهمية هذا القرار في رسم ملامح المستقبل المهني.

ومع ذلك، تبرز ظاهرة توجيه بعض الأسر لأبنائها وبناتها نحو تخصصات لا تتوافق مع ميولهم وقدراتهم كأحد أبرز التحديات التربوية المعاصرة، حيث تتشكل فجوة بين طموحات الأسرة ورغبات الطلبة، قد تنعكس سلبًا على تحصيلهم الدراسي ودافعيتهم، بل وتمتد آثارها إلى الصحة النفسية والاستقرار المهني مستقبلًا.

وللوقوف على أبعاد هذه القضية، استطلع هذا التحقيق آراء عدد من المختصين الأكاديميين في كلية الفيحاء الأهلية بالجبيل، الذين تناولوا أسباب هذه الظاهرة وانعكاساتها على الطلبة، وقدموا رؤى وتوصيات تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي ودعم اختيارات الطلبة بما يتوافق مع ميولهم وقدراتهم، وهذه هي محصلة أرائهم.

النجاح الحقيقي يرتبط بمدى توافق التخصص

يرى البروفسور الدكتور محمد أبو صبيح أن فرض العائلات تخصصات معينة على أبنائهم—even بدافع الحرص على مستقبلهم—يُعد نهجًا تربويًا غير سليم، إذ إن النجاح الحقيقي يرتبط بمدى توافق التخصص مع ميول الطالب وقدراته.

ويؤكد أن دور الأسرة ينبغي أن يكون قائمًا على التوجيه والدعم لا الإلزام، لأن الإجبار غالبًا ما يؤدي إلى ضعف الدافعية وارتفاع الضغوط النفسية، وقد يصل إلى فقدان الشغف أو إهدار سنوات دراسية في مسار غير مرغوب.

ومع ذلك، لا ينفي أهمية تدخل الأسرة، لكنه يراه تدخلًا واعيًا يعتمد على الحوار وتقديم المعلومات، خاصة إذا كان اختيار الابن غير واقعي، بحيث يكون القرار النهائي متوازنًا بين ميول الطالب واحتياجات سوق العمل، بما يحقق له الاستقرار والنجاح على المدى البعيد.

اختيار التخصص بين الميول وسوق العمل: قرار فردي أم معادلة معقدة؟

وفي هذا الشأن قال د. فايز الجوبعي، مدير وحدة الجودة بكلية الفيحاء الأهلية بالجبيل، إن اختيار التخصص الجامعي لم يعد قرارًا بسيطًا، بل أصبح من أكثر القرارات تأثيرًا في حياة الطالب الأكاديمية والمهنية، فهو لا يحدد سنوات الدراسة فحسب، بل يرسم ملامح المستقبل الوظيفي ويؤثر في مستوى الرضا الشخصي والنجاح المهني على المدى الطويل.

وأشار إلى أن الدراسات الحديثة توضح أن نسبة كبيرة من الطلاب يغيرون تخصصاتهم خلال السنوات الأولى، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار في اتخاذ القرار.

وأضاف أن توجهات اختيار التخصص تشمل الاهتمام الشخصي، فرص العمل، تأثير الأسرة، ونظرة المجتمع، وهذه التوجهات تتغير مع تجربة الطالب وتفاعله مع البيئة الأكاديمية والاجتماعية.

وأوضح الدكتور الجوبعي أن الطلاب يواجهون تحديًا بين اختيار تخصص يتوافق مع ميولهم وشغفهم وآخر يضمن فرصًا وظيفية أفضل، فالميول تعزز الدافعية والاستمتاع بالتعلم وتطوير مهارات عميقة، بينما سوق العمل يوفر فرصًا مهنية لكنه قد يضع الطالب في مسار لا يتناسب مع اهتماماته.

وأضاف أن التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات تقدم حلولًا واعدة لدعم القرار، لكنها وحدها لا تكفي، فاختيار التخصص عملية مركبة تتطلب توازنًا بين ميول الطالب وقدراته ومتطلبات سوق العمل، إلى جانب الدعم الأسري والتوجيه الأكاديمي السليم.

أبناؤكم ليسوا امتدادًا لطموحاتكم… دعوهم يختارون مستقبلهم

وبدوره قال الدكتور عبد الرحيم الغانمي، رئيس قسم العلوم والدراسات العامة في برنامج السنة التحضيرية، إن “شريحة واسعة من طلابنا اليوم تتعرض لضغوط أسرية واجتماعية تدفعهم نحو تخصصات لا تتوافق مع ميولهم وقدراتهم، ورغم أن هذه الضغوط غالبًا تنطلق من نوايا طيبة، إلا أن نتائجها قد تكون عكسية على المسار الأكاديمي والمهني للطالب.

وأضاف: في مرحلة مبكرة حاول أحد إخوتي توجيهي نحو دراسة الطب، ولم يكن يعلم أن ميولي كانت نحو الرياضيات والمجالات العلمية المرتبطة بالأرقام والتحليل، وأنني كنت أشعر بالخوف من التعامل مع الحالات الحرجة أو المتوفين، مما جعل هذا التخصص غير مناسب نفسيًا، وهذه التجربة ليست استثناءً بل نموذج يتكرر لدى كثير من الطلاب بين رغباتهم الحقيقية ورغبات أسرهم.

وأكد الدكتور الغانمي أن دور الأسرة يجب أن يكون استماعًا وحوارًا ودعمًا لا فرضًا أو إكراهًا، فالأبناء ليسوا امتدادًا لطموحاتنا المؤجلة بل لهم ميولهم وقدراتهم وأحلامهم الخاصة التي تستحق الاحترام، وأن التوجيه الأكاديمي السليم يجب أن يستند إلى اختبارات ميول وقدرات معتمدة واستشارات من مختصين ومعلومات دقيقة عن سوق العمل، لتمكين الطالب من اختيار التخصص المناسب الذي يعزز قدراته ويضمن جودة مخرجات التعليم وبناء جيل قادر على الإبداع والمنافسة”.

التحديات والحلول العملية

وقال الأستاذ محمد صلاح، محاضر الفيزياء بكلية الفيحاء، إن اختيار التخصص من أبرز القرارات المصيرية في حياة الطالب، ومع ذلك يتم توجيه بعض الطلاب نحو تخصصات لا تنسجم مع ميولهم وقدراتهم نتيجة ضعف وعي أولياء الأمور بطبيعة سوق العمل، والاعتقاد بأن النجاح المهني مرتبط بتخصصات محددة، بالإضافة إلى غياب الإرشاد الأكاديمي الفعال وتأثير المجتمع والأقران.

وأضاف أن النتائج السلبية تظهر في انخفاض الدافعية للتعلم، ضعف التحصيل الأكاديمي، الشعور بالإحباط والضغط النفسي، وربما تغيير التخصص أو الانسحاب، ما يؤثر على إنتاجية الطالب واستقراره المهني لاحقًا.

وأكد على أن الحل يكمن في تعزيز برامج الإرشاد الأكاديمي منذ المرحلة الثانوية، واستخدام أدوات علمية لقياس ميول وقدرات الطلبة، وتوعية الأسرة بدعم اختيارات أبنائها، وربط التخصصات باحتياجات سوق العمل بشكل متوازن، إلى جانب تنظيم ورش عمل ولقاءات تعريفية لشرح فرص ومسارات التخصصات المختلفة.

وختم حديثه أن تمكين الطالب من اختيار تخصص يتوافق مع ميوله وقدراته لا يقتصر أثره على نجاحه الشخصي فحسب، بل يعزز جودة مخرجات التعليم ويسهم في بناء مجتمع أكثر كفاءة واستدامة، ويحول التحديات إلى فرص للنمو والإبداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى