الإعلام… بين السرعة والمصداقية .. بقلم: عطية الزهراني

بقلم : عطية الزهراني @atiyazahrani
الخبر الصحيح أهم من الخبر السريع
لم يعد الخبر في زمننا ينتظر طويلاً حتى يصل إلى الناس. فمع تطور التقنية وانتشار المنصات الرقمية باتت المعلومة تنتقل خلال ثوانٍ، وأصبح المشاهد والقارئ يتابع الأحداث لحظة بلحظة. لكن هذا التسارع الكبير في تدفق الأخبار وضع الإعلام أمام تحدٍ مهني جديد:
كيف نُوازن بين سرعة النشر ودقة المعلومة؟
في الماضي كان الخبر يمر بمراحل متعددة قبل نشره؛ من المراسل إلى المحرر ثم إلى رئيس التحرير. أما اليوم فقد أصبحت المسافة بين الحدث والنشر أقصر بكثير، وأحيانًا لا تتجاوز دقائق معدودة.
غير أن هذه السرعة قد تحمل معها خطر الوقوع في الخطأ إذا لم يرافقها التحقق والتدقيق.
ومن خلال سنوات طويلة في العمل الصحفي يتأكد لنا أن السبق الحقيقي لا يكمن في أن تكون أول من ينشر الخبر، بل أن تكون أول من ينشره صحيحًا.
فكثير من الأخبار تنتشر بسرعة عبر المنصات الرقمية، ثم يتبين لاحقًا أنها غير دقيقة أو ناقصة أو خرجت عن سياقها الحقيقي.
ولهذا بقيت قاعدة الصحافة المهنية ثابتة رغم تغير الوسائل:
تحقق أولًا… ثم انشر.
فالمصداقية هي رأس مال الإعلامي، وهي ما يبقى عندما يهدأ ضجيج الأخبار. أما السبق الذي يقوم على معلومات غير دقيقة فلا يلبث أن يفقد قيمته، بل قد يترك أثرًا سلبيًا على ثقة الجمهور بالمصدر الذي نشره.
وقد لا يدرك كثير من المتابعين أن ليس كل خبر صحيح يمكن نشره فورًا. فهناك أخبار ترتبط بتحقيقات جارية أو قضايا أمنية قد يؤثر نشر تفاصيلها على سير الإجراءات، وفي مثل هذه الحالات يلتزم الصحفي بالبيانات الرسمية ويؤجل النشر حتى تتضح الصورة كاملة.
كما أن بعض المعلومات قد تصل إلى الصحفي صحيحة لكنها غير مكتملة أو لم يتم تأكيدها من أكثر من مصدر، وهنا يكون التريث جزءًا من المهنية، لأن نشر جزء من الحقيقة قد يؤدي إلى فهم خاطئ للواقع.
ومن القواعد الأساسية أيضًا أن الصحافة المهنية تحرص على عدم نشر اتهامات أو قضايا تمس أشخاصًا أو مؤسسات دون أدلة واضحة أو أحكام رسمية، فالكلمة قد تؤثر في سمعة الآخرين، والإعلام مسؤولية قبل أن يكون وسيلة للنشر.
ومع التطور التقني وظهور أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت التحديات أكبر، إذ باتت الأخبار المفبركة والصور المضللة تنتشر بسرعة غير مسبوقة. لذلك أصبح التحقق من مصدر الخبر ومراجعة سياقه ضرورة لا غنى عنها لكل صحفي.
فالخبر قد يُكتب في دقائق، لكن المصداقية تُبنى عبر سنوات.
ولهذا تبقى القاعدة الذهبية في العمل الصحفي واضحة:
كن متأخرًا بدقيقة… ولا تكن مخطئًا.
فالسبق الحقيقي ليس في الوصول إلى الخبر أولًا فقط، بل في تقديمه بدقة ومسؤولية ومهنية.
ويبقى الدرس الأهم أن الإعلام ليس مجرد نقلٍ للمعلومة، بل أمانة يحملها الصحفي أمام المجتمع. فالكلمة قد تبني وعيًا، وقد تثير قلقًا، وبين الاثنين يقف ضمير الإعلامي.
فالخبر قد يُنسى، لكن المصداقية لا تُنسى
كاتب صحفي

