الاثبات في القضايا الطبية .. بقلم | عبد العزيز بن عبدالله الفارس

بقلم | عبد العزيز بن عبدالله الفارس
يُعد الإثبات في القضايا الطبية من المسائل التي تثير العديد من الإشكالات، لاسيما في الدعاوى المتعلقة بالأخطاء الطبية والمطالبة بالتعويض، سواء دية أو أرش.
إذ إن هذا النوع من القضايا يكتسب طابعاً خاصاً يميّزه عن غيره من المنازعات، من حيث طبيعة النزاع ووسائل إثباته.
فمع التسليم بأن المطالبة بالتعويض تقوم على إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، إلا أن الإشكالية الحقيقية تكمن في كيفية إثبات الخطأ أو الضرر، حيث تختلف هذه المسألة عن غيرها من القضايا الأخرى.
وقد نصت المادة (27) من نظام مزاولة المهن الصحية على أن كل خطأ مهني ترتب عليه ضرر للغير يوجب التعويض، إلا أن إثبات هذا الخطأ يثير عدة صعوبات عملية، لاسيما وأن الطرف الآخر (المريض) لا يكون على دراية بالجوانب الفنية الدقيقة للعمل الطبي، إذ إن غايته من مراجعة الطبيب هي الحصول على العلاج، الأمر الذي يجعل إثبات الخطأ أمراً بالغ الصعوبة.
وبالنظر إلى نظام الإثبات، نجد أنه قد أقر عدداً من وسائل الإثبات التي يمكن اللجوء إليها في القضايا بوجه عام، ومن ذلك الإثبات بالإقرار، واستجواب الخصم، والكتابة، والدليل الرقمي، وشهادة الشهود، والقرائن، وحجية الأمر المقضي، والعرف والعادة، واليمين، والمعاينة، والخبرة، مع ترك تقدير قوة هذه الأدلة للمحكمة بحسب طبيعة النزاع وظروفه.
فإذا أُقيمت دعوى بالمطالبة بالحق الخاص، كالدية أو الأرش، ولم يُقر الطبيب بالخطأ، فإن عبء الإثبات يقع في الأصل على المدعي، مما يقتضي منه اللجوء إلى إحدى وسائل الإثبات الأخرى التي تكون ذات جدوى في مثل هذه القضايا. إلا أنه في الواقع العملي يصعب على المدعي إثبات الخطأ الطبي، نظراً للطبيعة الفنية لهذا النوع من النزاعات.
ولذلك جرى العمل على الاستعانة بلجان طبية متخصصة، تُشكّل من عدد من الأطباء ذوي الخبرة، لا تقل درجتهم عن استشاري، إضافة إلى عضو قانوني، حيث تتولى هذه اللجنة دراسة الملف الطبي بشكل مستقل، وتُصدر قرارها بناءً على ما يتبين لها من وقائع، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة تتفق مع الأصول الطبية والعرف المهني.
وقد يتطلب الأمر ندب خبير من ذات التخصص للنظر في الحالة الطبية محل النزاع، وبيان مدى الالتزام بالمعايير المهنية، ويُعد ذلك من قبيل الإثبات بالخبرة الذي يُلجأ إليه في المسائل الفنية، مع بقاء تقدير ذلك للمحكمة.
ويظهر من ذلك أن دور المدعي في مثل هذه القضايا يكون محدوداً من الناحية الفنية، إذ يقتصر غالباً على رفع الدعوى وإثبات وقوع الضرر، في حين تتولى الجهات المختصة جمع الأدلة الفنية، لاسيما ما يتعلق برأي الخبرة، أو ما جرى عليه العرف الطبي، وذلك بحسب ما تقتضيه كل حالة.
كما تُعد الكتابة من أهم وسائل الإثبات في القضايا الطبية، ويقصد بها هنا ما يتضمنه الملف الطبي من بيانات وإجراءات وملاحظات مدونة من قبل الفريق الطبي أو الطبيب المعالج، حيث يُمثل هذا الملف مرجعاً أساسياً في الوقوف على الحالة الطبية والإجراءات التي اتُخذت بشأنها، وتُقدّر حجيته في ضوء سلامته وانتظامه وعدم التلاعب بمحتوياته.
وخلاصة القول فإن الاثبات في القضايا الطبية لها طبيعة تميزها عن غيرها، لاسيما وانها تتعلق بجوانب فنية بحتة لا يعلمها سوا اهل الخبرة ممن يعملون في المجال الطبي.
ويبرز دور الاثبات من حيث وجود السجلات الطبية التي لها أهمية لا تقل عن الرأي الفني فهي تدعم الرأي الفني وتعطيه القوة اللازمة لاستخلاص الرأي الأقرب الى الصواب في مثل هذا الجانب، بالإضافة الى وسائل الاثبات الأخرى.
فهي تؤخذ على حسب طبيعة النزاع واهميته، وفي نهاية الامر يكون الدور الأبرز للقضاء في تقدير تلك الأدلة بما يحقق العدالة.


