الفنون وبناء القيم .. رؤية تربوية لصناعة الإنسان المتكامل .. بقلم | أ. عبدالناصر عوض العمري

لم تعد الفنون في العصر الحديث نشاطًا تكميليًا أو مساحة ترفيهية داخل المدرسة، بل أصبحت أداة تربوية فاعلة تُسهم في بناء الإنسان فكريًا ووجدانيًا وسلوكيًا فالفن ليس مجرد ممارسة جمالية بل هو لغة إنسانية عميقة تُخاطب المشاعر وتُهذّب السلوك وتُرسّخ القيم بطريقة غير مباشرة لكنها أشد تأثيرًا وأبقى أثرًا.
تُسهم الفنون في تعزيز قيمة الاحترام من خلال تقبل الرأي الآخر وتقدير اختلاف الأساليب والتعبيرات فعندما يعرض الطلاب أعمالهم الفنية ويتأملون أعمال زملائهم يتعلمون أن التنوع مصدر إثراء لا سبب خلاف كما تُنمّي الفنون قيمة الصبر والمثابرة فإنتاج عمل فني متقن يتطلب وقتًا وجهدًا وتجريبًا متكررًا ما يعزز لدى المتعلم ثقافة الإتقان وعدم الاستسلام.
ومن جانب آخر تعزز الفنون قيمة الانتماء والهوية الوطنية خاصة عندما تُستثمر في إبراز التراث والثقافة المحلية والرموز الوطنية فالطالب الذي يرسم معالم وطنه أو يوظف عناصر تراثه في عمله الفني لا يمارس مهارة فنية فحسب بل يعيش تجربة وجدانية تعمّق ارتباطه بجذوره ومجتمعه.
كما تُسهم الفنون في غرس قيمة المسؤولية سواء في المحافظة على الأدوات والمكان أو في الالتزام بالمعايير الجمالية التي تحترم الذوق العام وهنا يظهر دور الفن في مواجهة مظاهر التشوه البصري إذ إن تنمية الوعي الجمالي منذ الصغر تُخرّج أفرادًا أكثر حساسية تجاه البيئة البصرية وأكثر حرصًا على جمال المكان ونظامه.
ولا يمكن إغفال دور الفنون في تعزيز قيمة التعاون من خلال المشاريع الجماعية والمعارض المشتركة حيث يتعلم الطلاب توزيع الأدوار واحترام الجهود والعمل بروح الفريق كما تُعزز الفنون قيمة التعبير المسؤول إذ تمنح المتعلم مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره وأفكاره بأسلوب حضاري راقٍ
إن الاستثمار في الفنون هو استثمار في بناء منظومة قيم متكاملة لأن الفن يُشكّل الوجدان قبل أن يُشكّل المهارة
وعندما تُدرَّس الفنون بمنهجية واعية فإنها تصبح شريكًا أساسيًا في تحقيق أهداف التربية الشاملة وتسهم في إعداد جيلٍ متوازنٍ في فكره راقٍ في ذائقته راسخٍ في قيمه وقادرٍ على صناعة بيئة أجمل وأكثر إنسانية.
بقلم
أ. عبدالناصر عوض العمري
تربوي -فنون بصرية


