المتحدث الرسمي… من ردة فعل إلى إدارة مشهد .. بقلم: عطية الزهراني

بقلم: عطية الزهراني @atiyazahrani
في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي، لم يعد المتحدث الرسمي مجرد ردة فعل آنية، أو جزءًا من بيان صحفي يُقرأ ثم يُنسى. اليوم، أصبح المتحدث الرسمي مديرًا للمشهد الإعلامي، وصانعًا للاتصال، وقائدًا للسردية التي تُبنى حول الحدث.
وخلال المنتدى الإعلامي السعودي الذي عُقد مؤخرًا في الرياض، اتفق عدد من المتحدثين والخبراء على أن مفردات الخطاب الإعلامي تغيّرت جذريًا، وأن المتلقي لم يعد يقبل معلومة مجردة ما لم تكن ضمن سردية واضحة، وبناء منطقي، وقدرة على الإقناع. ولم تعد هذه العناصر ترفًا مهنيًا، بل شرطًا أساسيًا لنجاح أي خطاب رسمي.
المتحدث الرسمي اليوم مطالب بأن يحوّل مهارات الأمس إلى أدوات حديثة تواكب اللحظة. ففي السابق، كان المطلوب منه الإلقاء، أما اليوم فالمطلوب الحوار. وكان الدور في مراحل سابقة دفاعيًا بحتًا، بينما أصبح اليوم نقاشًا مفتوحًا، وتبادلًا للرأي، وحديثًا صريحًا يستوعب النقد مهما كان قاسيًا، لأن التطوير لا يولد إلا من الاعتراف والمواجهة.
لم يعد المتحدث الرسمي يكتفي بقراءة الصحف، بل بات يتعامل مع سمعة رقمية، ومؤشرات أداء، وتحليل تفاعل، وقراءة آنية للرأي العام.
وأصبح من الضروري أن يكون مدعومًا بأدوات الذكاء الاصطناعي، ليعرف قبل أن يتحدث كيف ستُستقبل كلمته، وما أثرها، ومدى قربها من الناس.
المشكلة ليست في قول الحقيقة، فالحقيقة لا خلاف عليها، بل في توقيت قولها، وطريقة طرحها، والمفردات المستخدمة، وكيفية إدارة التفاعل حولها.
بل إن التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على استشراف الأزمة قبل وقوعها، لا الاكتفاء بالتعامل معها بعد انفجارها.
وفي هذا السياق، يبرز النموذج السعودي من خلال المؤتمرات الصحفية الحكومية الدورية التي تنظمها وزارة الإعلام، والتي أسهمت في تعزيز الشفافية وبناء الثقة، وقدمت نموذجًا للصوت الرسمي الواثق، القادر على إدارة المشهد بدل الاكتفاء بردّ الفعل.
وهكذا، يتحول المتحدث الرسمي من ناقل خبر إلى قائد ثقة، ومن مجرد صوت للجهة إلى صوت يفهم الناس… ويتحدث إليهم.
عطية الزهراني
كاتب صحفي


