أخبار الشرقية

المتقاعدون .. ماذا يحتاجون بعد التقاعد؟ .. بقلم / محمد الغامدي

بقلم / محمد الغامدي

يمثل المتقاعدون شريحة مهمة من المجتمع، شريحة أفنت سنوات طويلة من عمرها في خدمة الوطن وبناء مؤسساته، وأسهمت بخبراتها وجهودها في ما ننعم به اليوم من استقرار وتنمية.

غير أن المفارقة المؤلمة أن هذه الفئة، ما إن تترجل عن الوظيفة، حتى تجد نفسها في مواجهة فراغ اجتماعي ونفسي، بل وأحيانًا نظرات نقد غير مبررة، حين تتجول في الأسواق أو ترتاد المقاهي، وكأن وجودها في الفضاء العام أمر زائد عن الحاجة.

إن المتقاعد لا يخرج من الحياة بخروجه من الوظيفة، بل يخرج فقط من عبء الالتزام الوظيفي اليومي. أما حاجته للتفاعل، والانتماء، والمشاركة، فهي حاجة إنسانية أصيلة لا تتقاعد.

ومن هنا تبرز أهمية توفير أنشطة خاصة بالمتقاعدين داخل المدن، أنشطة ثقافية، واجتماعية، ورياضية، وتطوعية، تمنحهم إطارًا منظمًا يقضون فيه أوقاتهم، ويعيد لهم الشعور بالقيمة والدور، بدل أن يُتركوا عرضة للتأويل أو الانتقاد غير العادل.

كما أن من أبسط صور الوفاء المؤسسي، تمكين المتقاعدين من الاستفادة من خدمات مرافق المؤسسات التي كانوا يعملون بها، بذات المستوى الذي كانوا يحصلون عليه وهم على رأس العمل، سواء كانت خدمات صحية، أو اجتماعية، أو ثقافية.

فالعلاقة بين الموظف ومؤسسته لا ينبغي أن تنقطع فجأة عند التقاعد، بل تتحول إلى علاقة تقدير وشراكة خبرة واحترام متبادل.

ومن الأفكار العملية التي تستحق التبني، تخصيص قاعة للمتقاعدين داخل المباني الإدارية للمؤسسات، تكون ملتقى دوريًا لهم، يلتقون فيها بين حين وآخر، يتبادلون الخبرات، ويُستفاد من تجاربهم، ويشعرون أن المؤسسة ما زالت تعتبرهم جزءًا من ذاكرتها الحية.

مثل هذه المبادرات لا تتطلب ميزانيات ضخمة، بقدر ما تتطلب وعيًا بقيمة الإنسان بعد الوظيفة.

ولعل من المهم في هذا السياق توجيه رسالة صادقة إلى القائمين اليوم على المؤسسات وصنّاع القرار: إنكم بعد حين ستنضمون إلى هذه الفئة نفسها.

وما تشرعونه اليوم وأنتم على رأس المسؤولية، ستجنون ثماره غدًا بعد ترجلِكم عن مناصبكم.

فالحقيقة القاطعة التي لا تقبل الجدل، أنه لا حياة دائمة، ولا وظيفة دائمة، ويبقى الأثر الإنساني هو الباقي..

على إن بناء سياسات عادلة ومحترمة للمتقاعدين ليس ترفًا اجتماعيًا، بل هو استثمار أخلاقي وحضاري، يعكس رقي المجتمع ووفاءه لأبنائه..

والمتقاعد حين يُحتضن، لا يصبح عبئًا، بل يتحول إلى مصدر حكمة، واتزان، وعطاء هادئ لا ينضب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى