الكتاب

ترميز التافهين والمنصات الهلامية .. بقلم: د. محمد بن مرضي

بقلم : د. محمد بن مرضي

لم تعد التفاهة عيبًا اجتماعيًا يُخفى ، بل تحوّلت إلى ثقافة يُعاد إنتاجها وتداولها بعناية عبر منصات رقمية هلامية ، بلا مركز ولا ذاكرة ولا مسؤولية ، وفي هذا الفضاء المفتوح لا يُكافأ العمق بل القابلية للانتشار ، ولا تُقدَّر الفكرة بوزنها المعرفي بل بخفّتها وسذاجتها وسرعة استهلاكها.

ترميز التافهين لا يعني فقط صعود أفراد عاديين إلى المشهد العام ، بل يعني إعادة برمجة معايير الظهور والقبول حيث يُعاد تعريف «المؤثر» بوصفه من يُجيد إثارة الانتباه لا إنتاج المعنى ، ومن يختصر التعقيد لا من يشرحه ، التفاهة هنا ليست فراغًا بل أصبحت منتجاً رقميًا مصقولاً بمعايير هلامية ، يُقدَّم في قوالب ساخرة ، أو صادمة ، أو عاطفية مبتذلة ، تُغري الخوارزميات (الترندات) قبل أن تخاطب العقول.

أما المنصات الهلامية فهي تلك البيئات التي لا تستقر على قيمة ولا تلتزم بمعيار ، منصات تتبدّل أخلاقها مع كل تحديث ، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي دون أن تعترف بدورها التربوي أو الثقافي ، هي هلامية لأنها تمتص كل شيء : المعرفة والسطحية ، الحقيقة والزيف ، النقد والتهريج ، ثم تعيد توزيعها وفق منطق الانتشار لا المسؤولية.

الخطورة لا تكمن في وجود محتوى تافه فذلك كان دائماً جزءاً من الثقافة الإنسانية عبر الحضارات ، بل في تحويل التفاهة إلى لغة سائدة وإلى مسار للترقية الاجتماعية والرمزية ، حين يُكافأ التافه بالمتابعة ويُمنح الصدارة ، ويُقدَّم كنموذج للنجاح ، فإن الرسالة الضمنية للمجتمع واضحة : لا حاجة للجهد ، ولا للمعرفة ، ولا للتراكم ، يكفي فقط أن تكون مرئيًا (بأي طريقة).

هذا الترميز يُحدث أثراً نفسيًا عميقًا ، خصوصًا لدى الأجيال الشابة إذ يُغذّي فيهم وهم الاستحقاق السريع ، ويُضعف الصبر المعرفي ، ويُحوّل التعلم من رحلة إلى عبء ، كما يُنتج قلق مقارنة دائم ، لا يقوم على الإنجاز الحقيقي بل على الحضور الرقمي العابر.

وهنا ليست المعركة ضد الأفراد بل ضد البنية التي تكافئ التفاهة وتُهمّش المعنى ، فالمجتمعات لا تنهار حين يعلو صوت التافهين ، بل حين يصمت العقلاء ، ويعتاد الوعي على الهلام.

واستعادة القيمة لا تبدأ بإلغاء المنصات بل بإعادة ترميز ما نُعجب به ، وما نشاركه ، وما نمنحه وقتنا فهناك تمامًا يُصنع المستقبل ، وكما يقول أحد المختصين المعركة حسمها التافهين بلا منازع لكن يجب علينا مراقبة سلوكنا واهتماماتنا ، فترميز التافهين هو عندما يُعاد تعريف القيمة بحسب الأهواء الشخصية ومبدأ التحكم والسيطرة ، وقد أبدع جستاف لوبون في وصفه لسيكولوجيا الجماهير وكيفية توجيه الاهتمام والاستحواذ على العقول قبل ظهور المنصات بزمن ليس ببعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى