الكتاب

جرعة صبر .. بقلم | جواهر العامري

بقلم | جواهر العامري

الصبر من أهم وأعظم مفاتيح الفرج.

فحين أتذكّر قصة يوسف عليه السلام، وتحمله وصبره على تلك الابتلاءات التي أحاطت به من أولها غدر إخوته به ورميه في البئر، ثم بيعه بثمن بخس، ثم اتهام امرأة العزيز له ظلمًا، ودخوله السجن سنواتٍ طويلة؛ لم يكن منه إلا الصبر والرضا بما كتبه الله له، فأرضاه الله جزاءً لصبره، حين قال تبارك وتعالى على لسان يوسف:

(إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين)

والجانب الأجمل من قصة يوسف هو صبر أبيه، ويقينه بأنه سيعود إليه، رغم حزنه الشديد الذي أصابه حتى العمى، واستغراب أهل بيته من يقينه هذا، فقال ربنا تبارك وتعالى على لسان يعقوب:(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) وقال أيضًا:

(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)

فكم كان صبر يعقوب جميلًا، وعاقبته أجمل!

وقصة جميلة أخرى في الصبر والتي نسمع فيها البعض يرددها كناية عن صبره على أمر ما، كقولهم: “يا صبر أيوب”، في إشارة إلى صبر نبي الله أيوب عليه السلام الذي تعجّب من صبره وجبره أهل السماء والأرض في البلاء العظيم الذي أصابه، فقال ربنا تعالى عنه: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّاب)

وغيرها الكثير والكثير من قصص الصبر ونتائجه المبهرة التي تفوق توقّع الإنسان وظنّه إلى ما هو فوق ذلك مما يجعله يرى أن صبره لم يكن إلا تهيئة لنعمة عظيمة يتجهّز لها وينتظرها.

ولو وقفنا برهة وأدرنا المجهر على أنفسنا ماذا نرى؟

هل نحن صابرون على كل بلاء واختبار يختبرنا الله عز وجل به؟

لو تمعّنا النظر لوجدنا أن الأمر متفاوت لدى الجميع بحسب قوّة إيمان المرء ويقينه بالله.

وحين أنظر إلى حال البعض اليوم وما يدور في بعض وسائل التواصل أرى عجز البعض عن الصبر، وسخطه عند أدنى مشكلة أو بلاء يعترضه، فتجده بين تذمّر وسخط، وبين تعب ومرض، وبين قنوط وقلق…

فلماذا لا نتعلم الصبرونعيش في معانيه، ونحتسب أجره، ونستعد لثوابه المدفون؟

قال تعالى:

(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) وقال أيضًا: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُوم) وقال نبينا محمد ﷺ:

“عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كلّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له.”

فاصبر يا من تقرأ كلماتي صبرًا جميلًا فهو جرعةٌ صحية للروح، تعود فوائدها على الجسد بصورة جميلة لا يعتريها همّ ولا قلق.

حلّق بروحك إلى الله واملأها بجرعات من الصبر من خلال كثرة الدعاء، ثم الدعاء بأن يلهمك الله الصبر في كل شؤونك، وأن يُفرغ عليك صبرًا، وأن يُمتّعك بالرضا بكلّ ما يكتبه الله لك.

هذا دواء عظيم يأتي بالدعاء وبالتعوّد عليه بالرضا وحمد الله على كل شيء، وإن بدا ظاهره لا يُرضيك فباطنه خيرٌ تجهله.

الصبر دواءٌ مجاني وأعراضه ليست جانبية بل روحية تنزل على روحك شفاءً، وحماية من كل الأعراض الجانبية المؤذية التي يسبّبها الجزع، والسخط، والقنوط، يتحقق بالدعاء، والرضا، والتعوّد بالممارسة.

ماذا قيل في الصبر؟

* “ما أنعم الله على عبدٍ نعمة، فانتزعها منه، فعوّضه مكانها الصبر، إلا كان ما عوّضه خيرًا مما انتزعه”

ــــ عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

* “وجدنا خير عيشنا بالصبر”

ــــ عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى

ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ

ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها

فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ

الإمام الشافعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى