(حين يصبح المكان سيرة ذاتية) … بقلم: محمد الغامدي

بقلم: محمد الغامدي
غادر الفتى القرويٌّ قريته ذات صباح وهو لا يدرك أن بعض الأمكنة لا نغادرها حقا، بل تظل تمشي معنا حيثما ذهبنا..ترك خلفه طرقًا ترابية تحفظ خطاه، ووجوها تعرف اسمه قبل صوته، وحياة بسيطة لا تستعجل الزمن .. وحين وصل إلى المدينة الأولى اصطدم بإيقاعها السريع وطقوسها المختلفة، فحاول الاندماج بما يملك من بساطة، وتعثر غير مرة حين خانته ثقافة محدودة، ونشأة لم تُهيأ لهذا العالم.
لم يكن الفشل كسرا، بل بداية وعي مبكر..أكمل تعليمه وهو يحمل في داخله حنينا صامتا، ثم ارسى خطواته العملية الأولى في كنفها بضع سنين لتأخذه الأقدار بعدها شرقًا إلى الساحل حيث يجاور البحر الصحراء، وحيث لم تكن المدينة آنذاك سوى فكرة جريئة تنتظر من يؤمن بها.. لم يجد عمرانًا مكتملًا، بل ملامح أولى طرقا ترسم على الرمل، وموانئ تحدّق في الأفق، وصمتا يشبه صمت الحقول التي غادرها يوما..رافق نموّها كما يرافق الإنسان عمره.
كبرت المدينة خطوة خطوة، وكبر معها..كل توسّع فيها كان يستدعي ذكرى، وكل صرحٍ ينهض كان يذكره بأن البدايات الصعبة لا تنسى، بل تثمر.. لم يكن شاهدًا عابرا، بل جزءا من زمن التأسيس، من تلك الأيام التي تنجب المدن المختلفة كما تنجب الرجال.
ومع مرور السنوات، تحولت المدينة إلى واحدة من مفاخر الوطن ومعجزات التنمية .. مدينة لا تشبه سواها، يلتقي فيها هدير الصناعة بإيقاع البحر، وتتصالح فيها الصحراء مع المستقبل. وحين وقف يتأملها، أدرك أن تعلقه بها لم يكن وليد المكان وحده، بل وليد الرحلة بأكملها.
غرم بمدينة لم تطلب منه أن ينسى قريته، بل سمحت لحنينه أن يجد موطئ قدم في شوارعها.
مدينة احتضنته وهو يتشكّل، فنما معها… حتى صار المكان جزءا من سيرته الذاتية، وصار هو شاهدا حيًا على أن بعض المدن لا تسكن فقط، بل تعاش.
وللحديث بقية ،،،


