(حين يصبح المكان سيرة ذاتية – ٢) … بقلم: محمد الغامدي

بقلم: محمد الغامدي
حين قدمتُ إليها أواخر ثمانينات القرن الماضي، كانت مدينةً في بداياتها عدد سكانها لا يتجاوز العشرين ألف نسمة، وأحياؤها محدودة تؤدي دورها ثم تتوارى.
كانت هادئة وبسيطة، تُبنى على مهل، وتتشكل ملامحها لبنة بعد أخرى، كمدينة تعرف طريقها لكنها لا تتعجل الوصول.
ومع مرور السنوات، لم يكن نموها مجرد اتساع في المساحة أو زيادة في العدد، بل تحوّل في الدور والمعنى.. تضاعف عدد السكان حتى قارَبُوا المئتي ألف واتسع العمران، وازدهرت الحركة التجارية، وتشكلت شبكة طرق وحدائق ومساحات عامة جعلت جودة الحياة جزءاً أصيلاً من التخطيط لا تفصيلاً عابراً.
وفي مفارقة لافتة، وبينما رسّخت معشوقتي مكانتها كواحدة من أهم مدن الصناعة والأعمال، وقلعة اقتصادية صلبة، نجحت في أن تتحول في الوقت عينه إلى مقصد سياحي هادئ. فبين المصانع والموانئ، ظل البحر حاضراً، والكورنيش وجهة للزوار، والحدائق والمتنزهات نقاط جذب، لتقدّم المدينة نموذجاً مختلفاً لمدن الصناعة؛ مدينة تعمل بكفاءة، وتستقبل ضيوفها بسكينة، وتثبت أن الصناعة حين تُدار بوعي لا تُقصي الجمال ولا تطفئ دهشة المكان.
هذا التحوّل لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة رؤية بعيدة المدى، وجهود جيل آمن بالفكرة ووثق في التخطيط، حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم ..
مدينة تجمع بين صرامة العمل وهدوء الحياة و سهولتها ، وتفتح أبوابها للمستقبل بثقة…
هذه هي الفاتنة ( الجبيل الصناعية ) والقادم – بإذن الله – أجمل وأكمل.


