حين يكون «لا» احترامًا للنفس .. بقلم : عطية الزهراني

بقلم : عطية الزهراني @atiyazahrani
{أن تقول «لا»… وتخسر شخصًا أم تقول «نعم»… وتخسر نفسك والاثنين؟}
لسنوات طويلة، تعلّمنا أن القبول فضيلة، وأن تلبية الطلبات دليل محبة، وأن قول «نعم» هو الطريق الأقصر لكسب الرضا.
كبرنا ونحن نخلط بين الطيبة والاستنزاف، وبين المجاملة والتنازل، حتى أصبح قول «لا» عبئًا نفسيًا أكثر منه قرارًا واعيًا.
لكن الحقيقة التي لا ننتبه لها إلا متأخرين، أن «لا» ليست قسوة، بل حدّ. وليست رفضًا للآخر، بل حماية للنفس.
أن تقول «لا» في الوقت المناسب، يعني أنك تفهم طاقتك، وتحترم وقتك، وتقدّر ذاتك قبل أن تطلب التقدير من الآخرين.
في بيئات العمل، تتضاعف أهمية هذه الكلمة الصغيرة. فالالتزامات تتراكم، والطلبات لا تنتهي، ومع كل «نعم» غير محسوبة، نخسر جزءًا من تركيزنا، وهدوئنا، وإنتاجيتنا. ليس لأن العمل عبء، بل لأن غياب الحدود يحوّل الجهد إلى إنهاك.
اللافت أن كثيرًا من عجزنا عن الرفض لا يرتبط بالمنطق، بل بالعاطفة؛ نخشى أن نُساء فَهْمنا، أو أن نخسر قبولًا اجتماعيًا، أو أن نُصنَّف بغير ما نحن عليه. فنفضّل الصمت، ونُراكم الضغوط، ثم نلوم أنفسنا لاحقًا.
الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن المجاملة لا تعني التضحية الدائمة، وأن اللطف لا يتناقض مع الحزم. يمكننا أن نقول «لا» بلغة هادئة، وبأسلوب مهذّب، وبسبب واضح، دون اعتذار مبالغ فيه، ودون تبرير يستنزفنا أكثر من الطلب نفسه.
أن تقول: «لا أستطيع الآن بسبب التزامات سابقة»، هو موقف ناضج، لا يحتاج إلى شرح طويل ولا إلى شعور بالذنب.
فالعلاقات الصحية، سواء كانت مهنية أو إنسانية، لا تُبنى على الاستجابة الدائمة، بل على الوضوح والاحترام المتبادل.
في النهاية، «لا» ليست كلمة سلبية كما نظن، بل أداة توازن.
وحين نتعلّم متى نقولها، وكيف نقولها، نكتشف أننا لا نخسر الآخرين… بل نكسب أنفسنا.


