الكتاب

رمضانيات / ٢ .. بقلم | محمد الغامدي

قبل الأذان بدقائق، تتحول بعض شوارعنا إلى بطولة مفتوحة في «فن الوصول قبل الصوت».

السائق يمسك المقود كما لو أنه يفاوض الزمن على تمديد الحياة دقيقة إضافية، والساعة أمامه ليست جهاز قياس وقت…

بل جهاز إنعاش.

الإشارة الحمراء ترفع يدها مطالبة بالهدنة، فيعبرها بثقة شاعرٍ أنهى القصيدة ثم بحث لاحقًا عن القافية، وكأن الطريق امتحان تحمل قصير، والنية أطول من الإسفلت.

وحين يُرفع الأذان تبدأ «عملية التعبئة الشاملة». مائدة الإفطار تبدو كقمة طارئة ، وكل طبق يطالب بحق النقض.

الصائم العادل يمنح صوته لكل صنف، حرصًا على التوازن الغذائي وحقوق الأقليات من السمبوسة إلى الشوربة…

وبين لقمةٍ وأخرى، تلمع لحظة امتنان خاطفة، ذكّرت القلب بأن الجوع لم يكن عدوًا بل رسولًا.

وبعد الجولة الأولى… يدخل في طور السكون الاستراتيجي: يتمدد على الأريكة بوقار فقمة أنهت مناوبتها البحرية، وعيناه نصف مغمضتين كأنه في مفاوضات غير معلنة مع الجاذبية، وعلى وجهه سكينة عابرة، تشبه ظلّ سحابة مرّ سريعًا فوق سطح ماءٍ هادئ.

ثم إلى التراويح حيث تصطف الأجساد، وتبدأ الرؤوس في أداء تمرين «البندول الروحي».

توازن دقيق بين الخشوع ووزن ما اكتنزته المعدة ..

وإذا أطال الإمام القراءة، يتحول الحال الى مشهد آخر ادواته زفرة محسوبة، خطوة تصحيحية، ونظرة سريعة نحو السقف ..

ومع ذلك، تظل القلوب واقفةً أكثر مما تقف الأقدام. وفي الهزع الأخير من الليل، ينهض أبطال «المهمة المستحيلة» فجأةً…

يندفعون نحو المطبخ كما لو أن الثلاجة صندوق أسرار دولة.

تُفتح الأدراج تباعًا، وتُستجوب العلب بلا محامٍ، وبينما تُرفع الملعقة في لحظة تاريخية، يصدح الأذان…

فتسقط الهمم سقوطًا حرًا، ويوقّع الأبطال محضر الاستسلام على أرض المطبخ، ممددين بين الثلاجة والقدر، وقد ثبت لهم بالدليل القاطع أن الدقائق أسرع من الملعقة، وأن لا وقت بديل للضائع.

وهكذا نمضي بين ازدحام الطريق، وازدحام الطبق، وازدحام الأعذار…

نُسرع لنلحق بالدقائق، وننسى أن في كل دقيقة فسحةً أوسع مما نظن، وأن القلب — إن هدأ — اتسع لما هو أبعد من الجوع. وتقبّل الله طاعاتكم.

بقلم | محمد الغامدي

كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى