وش لونك؟ .. بقلم: د. محمد بن مرضي

بقلم : د. محمد بن مرضي
هو السؤال الذي لا يسأل عن اللون ! .. سؤال بسيط باللهجة الأقرب إلى القلب، لكنه يخفي خلفه أعمق مما يبدو .. هو ليس مجرد فضول عن الحال ولا محاولة لكسر الصمت ، بل هو بابٌ يُفتح على خزان المشاعر وعلى زوايا الروح .. في سؤالنا ” وش لونك؟ ” تسكن كل مشاعرنا التي لا نجد لها أسماءً واضحة .. في هذا السؤال يختبئ من يريد أن يسمعك لا ليسمع الرد منك .. بل ليشعر بك ، هو يشبه من يضع يده على قلبك دون أن يقترب ، ويقول: “أنا هنا .. قل لي كيف أكون سندك؟” ، قد تقول : “أنا بخير” لكنك في الحقيقة رماديّ المشاعر وهو لون لا أحد يلتقطه بسهولة .. في داخلك غيوم كثيفة لا يرى أحد ظلّها.
“وش لونك؟”
هو السؤال الذي يعترف بأننا مهما بلغنا من القوة نبقى كائنات عاطفية ، تتقلب ألوانها مع المواقف .. وإذا سألت من تحب : وش لونك؟ لا تكتفِ بالإجابة بل انظر إلى عينيه، إلى نبرة صوته، إلى صمته الطويل قبل الرد .. لأن الأرواح تلوّن ملامحها أكثر مما تفعل الكلمات .. “وش لونك؟” ليست جملة إنها حضن معنوي تفهمه القلوب قبل الآذان.
ويؤكد علماء النفس أن الصدمات المخزنة في جهازنا العصبي في وقت سابق لها أثر عميق ، وربما تختفي مع مرور الوقت ولكن تبقى الندوب مثل المسامير ، فعندما يحتاج الشخص لحضن حميمي أو لمسة في موقف مؤلم كي يهدأ أو يشعر بالأمان ، فهذا يعني أن الجهاز العصبي تعلّم في وقت سابق أن المتعة هي الطريق الأسرع لإيقاف الألم ، وربما إهمال أو إساءة في الطفولة تركت أثراً عميقا ، وهذا يجعل الدماغ يربط الحميمية بالتهدئة المؤقتة ، فيبحث عن محفزات سريعة للجهاز العصبي لإسكات الحرمان العاطفي ، فالموضوع يتعلق بنظام عصبي يحاول أن يشعر بالأمان بأي وسيلة.
وتبرز هنا مشكلة نفسية حديثة في مجتمعات تُمجّد الفردانية والنجاح الشخصي ، حيث تنتشر فكرة وخرافة الاستحقاق الشخصي أو Meritocracy Myth أي أن كل ما يحققه الإنسان من إنجازات يعود فقط إلى “جهده واستحقاقه” ، وهو اعتقاد خاطئ بأن النجاح في الحياة هو حصيلة عادلة للكفاءة الفردية والعمل الجاد فقط ، متجاهلاً السياقات الاجتماعية والوظيفية والاقتصادية والأسرية التي تلعب دورًا بالغ الأهمية في تكوين الشخصية وحماية الجهاز العصبي لدينا من الانهيار.
وفي مواقف الحياة التي تكون فيها غير راضي ومنزعج وزعلان من الموقف الذي تمرّ فيه ، هو بالتأكيد مكتوب في خطتك الإلهية التي قد كتبها الله لك ، وهذا هو قدرك .. وهنا جرّب أن ترضى ، فقمّة الإيمان أنك ترضى في موضع حُزن فيحول الله الأحداث بشكل إعجازي لصالحك ، والرضا الحقيقي هو أنك تكون مُطمئن لو كل الأحداث كانت عكس المشهد الذي تتمناه ، وهنا انتبه جيداً لمشاعرك ومعتقداتك ، فالعيش بالقلق المفرط في مواجهة الأقدار هو افتراض أن الله سيخفق.
وش لونك الحين ؟
اطمئن .. فالله قد اصطفاك .. والملائكة قد دوّنت .. وربك العدل لا ينسى .. فالإنسان مهما بلغ من القوة والصلابة لا غنى له عن كلام محبّ ودعوة صديق وحضن صادق .. فالإمام الشافعي على عظيم قدره يقول لصاحبه : لا تغفل عني فإني مكروب.


