يوم التأسيس والهيئة الملكية .. من جذور الدولة إلى صناعة وحياة

بقلم | محمد الذبياني
في الثاني والعشرين من فبراير لا تستحضر المملكة العربية السعودية ذكرى تاريخية عابرة بل تستدعي لحظة مفصلية شكّلت بداية مشروع دولة امتد أثره ثلاثة قرون إنه يوم التأسيس اليوم الذي أرسى فيه الإمام محمد بن سعود عام 1139هـ 1727م دعائم الدولة السعودية الأولى لتبدأ مسيرة وطن صاغ تاريخه بالصبر وثبّت أركانه بالإيمان ورسم مستقبله بالإرادة
لم يكن التأسيس حدثًا سياسيًا فحسب بل كان تحولًا حضاريًا أسس لمعنى الدولة المستقرة في محيط مضطرب ورسّخ مفهوم الوحدة بعد التفرق وأعلى قيمة الأمن بوصفه أساس التنمية وعماد الازدهار ومنذ ذلك التاريخ ظل هذا الكيان يجدد نفسه عبر مراحله المختلفة حتى توحّدت البلاد على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه لتولد المملكة العربية السعودية دولة راسخة الجذور واضحة الهوية ممتدة الأثر
إن استحضار يوم التأسيس اليوم لا ينفصل عن الحراك التنموي الكبير الذي تعيشه المملكة في ظل رؤية السعودية 2030 التي تمثل امتدادًا طبيعيًا لمسيرة البناء الأولى فالرؤية ليست مشروعًا طارئًا على التاريخ الوطني بل قراءة معاصرة لقيم التأسيس ذاتها الاعتماد على الذات وتعزيز الوحدة وبناء اقتصاد قوي ومستدام وتمكين الإنسان ليكون محور التنمية وصانعها
لقد اختارت المملكة أن تنتقل من اقتصاد يعتمد على مورد واحد إلى اقتصاد متنوع تنافسي منفتح على العالم مستندة في ذلك إلى استقرار سياسي عميق الجذور وإرث إداري وتنظيمي تراكم عبر عقود ومن هنا يتجلى المعنى الحقيقي للربط بين الماضي والحاضر فكما نجح الرواد الأوائل في تثبيت أركان الدولة يعمل أبناء اليوم على ترسيخ مكانتها ضمن الاقتصادات المؤثرة عالميًا
وتبرز في هذا السياق تجربة الهيئة الملكية للجبيل وينبع بوصفها نموذجًا عمليًا للتحول الوطني فمنذ تأسيسها تحولت مدن الصناعات في الجبيل وينبع ورأس الخير وجازان إلى قواعد صناعية متقدمة أسهمت في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته التنافسية ولم تكن هذه المدن مجرد تجمعات صناعية بل منظومات متكاملة تجمع بين الصناعة المتقدمة والبنية التحتية الحديثة وجودة الحياة والتخطيط الحضري المتوازن
فيها تتجاور المصانع العملاقة مع الأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات والمرافق الترفيهية في صورة تعكس فلسفة تنموية ترى الإنسان جزءًا أصيلًا من معادلة الإنتاج وهو ما تجسده رسالتها الملهمة صناعة وحياة التي تعبر عن توازن فريد بين التنمية الصناعية وجودة المعيشة وقد أسهمت هذه المدن في خلق آلاف الفرص الوظيفية وتعزيز المحتوى المحلي واستقطاب استثمارات عالمية بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 في الصناعة والخدمات اللوجستية والاستدامة
إن يوم التأسيس في عمقه ليس احتفاء بالماضي بقدر ما هو استدعاء لقيمه في الحاضر هو تذكير بأن الأمن الذي ننعم به والاقتصاد الذي ينمو والمدن التي تتوسع لم تكن نتاج لحظة عابرة بل ثمرة تراكم طويل من العمل والثبات والقيادة الرشيدة وهو كذلك دعوة للأجيال الجديدة لتحمل مسؤولية المرحلة ومواصلة البناء بذات الروح التي انطلق بها التأسيس الأول
وبين الدرعية التي شهدت البدايات ومدن الصناعات الحديثة التي تجسد التحول تمتد قصة وطن لا يكتفي باستحضار أمجاده بل يصنعها كل يوم في يوم التأسيس تتجدد مشاعر الانتماء ويعلو الإحساس بالفخر ويتأكد اليقين بأن المملكة العربية السعودية بجذورها الراسخة ورؤيتها الطموحة ومشروعاتها التنموية الكبرى ماضية بثبات نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وتأثيرًا في محيطها الإقليمي والعالمي .
________________
محمد حمدان الذبياني | كاتب سعودي |


