الجبيل الصناعية… هل آن وقت إعادة رسم الخريطة الخدمية؟ .. بقلم: عبدالله ال غصنه

تشهد الجبيل الصناعية خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية واضحة في مستوى الخدمات والمرافق العامة، حتى باتت المدينة نموذجًا للتخطيط الحديث وجودة الحياة. توسعت الأحياء السكنية، وتحسّنت البنية التحتية، وتنوعت الخيارات التعليمية والصحية، كما شهد قطاع المطاعم والمقاهي والأسواق حضورًا لافتًا يلبي احتياجات مختلف الفئات. هذا التطور لم يعد مجرد أرقام في تقارير، بل واقع يومي يلمسه السكان والزوار على حد سواء.
ومع هذا النمو المتسارع، برزت منطقة الفناتير، وتحديدًا الواجهة البحرية، بوصفها القلب النابض للأنشطة الترفيهية والتجارية. فقد تركزت نسبة كبيرة من المطاعم العالمية والمحلية، والمقاهي، والأسواق، إضافة إلى الفعاليات الموسمية والأنشطة العائلية في نطاق جغرافي محدود هناك. ولا شك أن جمال الموقع وإطلالته البحرية أسهما في جعله الوجهة الأولى لسكان المدينة.
غير أن هذا التمركز الكثيف للخدمات في بقعة واحدة أفرز تحديات مرورية باتت واضحة، خصوصًا في أوقات الذروة وعطلات نهاية الأسبوع. فالطرق المؤدية إلى الواجهة البحرية تشهد ازدحامًا ملحوظًا، وتتكدس المركبات عند الإشارات، ويستغرق الوصول أحيانًا وقتًا أطول من المتوقع. كما أن مواقف السيارات لم تعد تستوعب الأعداد المتزايدة من الزوار، ما يدفع البعض للبحث عن مواقف بعيدة أو الوقوف في أماكن غير مخصصة.
المشكلة هنا لا تكمن في كثافة الإقبال، بل في غياب التوزيع المتوازن للخدمات. فعندما تتركز أغلب عناصر الجذب في موقع واحد، يصبح الضغط عليه حتميًا، مهما كانت سعة الطرق أو عدد المسارات. ومن الطبيعي أن يتضاعف هذا التحدي مع استمرار النمو السكاني وافتتاح مشروعات جديدة مستقبلًا.
الحل لا يتطلب تقليل النشاط في الواجهة البحرية، بل إعادة توجيه بوصلة الاستثمار والتوسع نحو أحياء ومواقع أخرى داخل المدينة. البحث عن مناطق بديلة ذات جاهزية تخطيطية، أو تطوير مراكز خدمية مصغرة في أحياء مختلفة، سيسهم في تخفيف الضغط عن الفناتير، ويخلق في الوقت ذاته حراكًا اقتصاديًا متوازنًا. كما أن توزيع المطاعم والأسواق والأنشطة الترفيهية على أكثر من محور سيمنح السكان خيارات أوسع، ويقلل من الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة.
إن المرحلة المقبلة من التطوير في الجبيل الصناعية تتطلب نظرة شمولية لا تقتصر على زيادة عدد المشاريع، بل تركز على حسن توزيعها جغرافيًا بما يضمن انسيابية الحركة وجودة الحياة. فالمدينة التي نجحت في بناء قاعدة صناعية راسخة، قادرة أيضًا على تحقيق توازن حضري يجعل النمو أكثر استدامة، ويحول دون تحوّل مناطق الجذب إلى نقاط اختناق مروري.
ويبقى الأمل أن تُؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار في التخطيط للمشروعات القادمة، حتى يستمر التطور بوتيرته الإيجابية، دون أن يدفع السكان ثمن الازدحام الذي يمكن معالجته برؤية استباقية وتخطيط متوازن.
عبدالله ال غصنه


