الكتاب

[حلقوم و نقود] .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي

فيما مضى كان للعيد نكهة مختلفة .. ربما لأن ذات اليد كانت أضيق، ومستوى المعيشة أبسط، فكان العيد موعداً لتعويض ما فات طوال العام.

الملابس الجديدة لا تُرى إلا فيه، وشبع الأطفال من الحلوى لا يتحقق إلا فيه. أمّا الحلقوم على وجه الخصوص فكان ضيفاً موسميّاً لا يزور البيوت إلا في العيد؛ فتُملأ به البطون والجيوب معاً.. نلتقطه بفرح، ونضعه في الجيب بفرح أكبر، ثم نخرجه بعد دقائق وقد التصق بالورق أو القماش لكن ذلك لم يكن يفسد المتعة.

وبرغم ما يتركه من تلاصق بين الأسنان والشفاه، وما قد يسببه من تلبّكٍ خفيف في الأمعاء… إلا أن البهجة كانت تغلب كل ذلك فقد كانت ضحكات الأطفال أعلى من أي شكوى، وكانت الجيوب المنتفخة بالحلوى كأنها أوسمة صغيرة يفاخر بها صاحبها بين أقرانه.

وكان صباح العيد نفسه حدثاً لا يُفوّت .. طرقات ضيقة متعرجة تعجّ بالصغار، ووجوه مغسولة بفرح العيد قبل الماء .. نركض من بيت إلى بيت، نعايد هذا ونصافح ذاك، وكل زيارة تحمل احتمالاً جديداً لحفنة حلوى أو قطعة حلقوم إضافية.. ولم يكن أحد يسأل كم أكلت، فالسؤال الحقيقي كان كم بقي في جيبك؟

اليوم، ومع رخاء العيش وانهمار النعم، لم يعد العيد يبهرنا كما كان. فكل يوم ـ بحمد الله ـ نلبس الجديد، ونأكل مما لذّ وطاب ، وحتى الطفل الذي كانت الحلوى تملأ عينيه فرحاً، صار ينفر من كثير من أصنافها .. بل حتى تلك الفاخرة التي نستوردها.

وكما تغيّرت الأشياء، تغيّرت أيضاً المنافسات الصغيرة فبعد أن كان التنافس في ملء الجيوب بالحلوى، أصبح التنافس في ملئها بالنقود .. وأيُّ الصغار جمع أكثر.. صار بعضهم يحصيها بعناية، وربما يعلن حصيلته كما يعلن التاجر أرباح موسمه.

ومع ذلك، يبقى العيد جميلاً لا لأن الأشياء فيه أكثر، بل لأن الذكريات التي نسكنها تعود إلينا معه فلكل جيل عيده الخاص، ولكل زمن طريقته في الفرح.

اللهم أدم نعمك علينا، ولا تغيّر علينا إلا إلى أحسن حال.

وعيدكم سلفاً مبارك، وعساكم من عوّاده.

خاتمة:

نقبل العيديات بكل سرور .. ولا مانع من تحويلها مباشرةً على حساب رئيس التحرير .. وانا وهو سنتفاهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى