الكتاب

«نخدمكم كأهالينا»… حين يصبح الشعار سؤالًا .. بقلم: محمد حمدان الذبياني

بقلم: محمد حمدان الذبياني

في العناية المركزة، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بالنبض، ولا تُقاس العناية بعدد الأجهزة، بل بقدر الطمأنينة التي تصل إلى قلب من ينتظر خلف الباب.

هناك، حيث ترقد والدتي، تتغير معاني الأشياء. يصبح الصوت أخف، والانتظار أثقل، والدعاء أصدق. أقف عند سريرها، لا أرى مجرد مريضة، بل تاريخًا من الحنان، يدًا كانت تسبقنا بالعطاء، وصوتًا كان يسبقنا بالدعاء. أمدّ يدي نحوها، لا لأوقظها، بل لأطمئن قلبي أنها لا تزال هنا، وأن خيط الأمل لم ينقطع.

دخلنا هذا المستشفى ونحن نحمل ثقةً بحجم اسمه، وبشعارٍ كُتب: «نخدمكم كأهالينا». لكن في دهاليز العناية، حيث الحقيقة لا تُجامل، بدأ السؤال يتشكل بهدوء موجع: هل كل ما يُقال يُعاش؟

في مثل هذه الأماكن، لا تكون التفاصيل صغيرة. التأخير يصبح قلقًا، والتجاهل وجعًا، والبرود فراغًا في لحظةٍ كان يجب أن تكون ممتلئة بالإنسانية. هناك، حيث يكون الإنسان في أضعف حالاته، لا يحتاج إلى المزيد من الأجهزة بقدر ما يحتاج إلى قلب يشعر به.

لقد وجدنا أنفسنا أمام تجربةٍ كشفت فجوةً بين الشعار والممارسة؛ فجوةً لا تُناقش بقدر ما تُعاش، تتسلل إلى القلب في لحظات الانتظار، وتكبر مع كل تأخير، وتثقل مع كل غيابٍ للطمأنينة التي جئنا نبحث عنها.

ووالدتي لا تزال حتى هذه اللحظة في وضعٍ حرج، تحت رحمة الرحمن الرحيم، وفي كنفه الذي لا يُخيّب رجاء. نقف على بابٍ لا يُفتح إلا بالدعاء، نرفع أيدينا في كل لحظة، لا لأننا نملك خيارًا، بل لأن الدعاء هو ما تبقى لنا نرجو الله في كل نبضةٍ وكل نفس، أن يكتب لها الشفاء، وأن يعيدها إلينا سالمةً معافاة.

وفي خضم هذا الألم، لا يمكن أن يغيب الإنصاف. فقد كان الاستشاري د. عبدالله الحربي نموذجًا مختلفًا؛ حضورًا إنسانيًا يسبق مهنته، يرى ما خلف الأجهزة ويشعر بما لا يُقال، وكان الأمل الأوحد والمبصر وسط دهاليز العناية التي تحتاج إلى عناية، كشمعةٍ مضيئة في عتمة الانتظار تخفف شيئًا من ثقل المشهد وتعيد للقلوب بعض سكينتها.

إن ما يُكتب هنا صوت تجربة، ونداء مراجعة، فالمستشفيات لا تُقاس بجدرانها، بل بما تتركه في القلوب، والمريض لا يحتاج فقط إلى علاج، بل إلى عنايةٍ تُشبه ضعفه وتحتوي رجاءه.

وفي النهاية، قد نغادر هذا المكان يومًا، لكننا لن نغادره كما دخلناه. سنحمل معنا دعاءً لا ينقطع، وأملًا لا يموت، وذكرى أمٍ ترقد هنا بين رحمة الله وانتظار الشفاء.

‫6 تعليقات

  1. اسأل الله الكريم رب العرش العظيم ان يشافي والدتكم ويعافيها ويطمنكم عليها يارب انك سميع مجيب الدعاء.

  2. اسال الله ان يرفع عنها البلاء وان يلبسها ثوب الصحة والعافية وانا يجعل ما اصابها كفارة لها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى