أخبار الشرقية

في قلب ثاج: عمارة تنبض وحليّ تلمع وذكريات رحالة

د. منيره بنت علي آل عقيل

في أقصى شرقي المملكة العربية السعودية ، تقف ثاج شاهدة على حضارة زمنٍ مضى، ليست موقع أثري صامت، بل مدينة تنبض بحكايات إنسان قديم عاش فيها وانعكست ذائقته فيما خلّفه من عمارة و وزينة وآثار متنوعة، وثاج هي قرية تقع على بعد 95 كم تقريباً عن مدينة الجبيل، وعلى بعد 150 كم تقريباً إلى الشمال الغربي عن مدينة الظهران، وعلى بعد 300 كم عن مدينة الدمام، وتقع ثاج في وادٍ ضحل ينحدر ببطيء نحو الشمال، وتقع على طريق القوافل التجارية القديم المتجهة جنوباً إلى اليمامة والأفلاج ومنها إلى وادي الدواسر ثم إلى قرية الفاو ونجران، وقد اكتسبت أهميه بارزة في توفير الخدمات اللازمة لتجارة العبور وربما كانت إحدى أهم محطات ذلك الطريق.

وثاج اليوم قرية صغيرة تضم بيوتاً متواضعة مبنية من الحجر والطين، بعض هذه البيوت مقرات صفية لحوالي 250 شخص نصف رحل من أفراد الملاعبة والمسامحة التي تنتمي إلى قبيلة العوازم، وتقع ثاج جنوبي سبخة تسمى سبخة ثاج، والسبخة خاصة من خواص أرض المنطقة، وتوجد في ثاج مياه صالحة للشرب ولو أنها ليست عذبة في حواشي الأحواض المالحة حيث يكون الماء قريباً من سطح الأرض، وتكون الآبار الضحلة قريبة من السبخات.

أما من الناحية الجيولوجية فثاج مبنية على موقع تغطيه طبقة خفيفة من الرمال التي تأتي من نوع ما يسميه الجيولوجيون (قاعدة الحبس) وهذا التشكيل الرسوبي ثلاثي الصفات يتكون من طين خزفي، وصلصال، وحجر صدفي.

تقول الدراسات الأثرية إن ثاج ازدهرت في الألفية الأولى ق.م، وهي تعد أكبر موقع هلينستي معروف في المنطقة الشرقية حتى الآن، حيث تتناثر على سطحها قطع الجرار المكسورة ولكنها ليست من النوع المصقول الذي يوجد بكثرة في معظم أراضي المنطقة الشرقية، والتي يعود غالبيته للعهد الإسلامي الأول، ومن بين ما وجد على سطح الأرض في ثاج أشكال مختلفة من الفخار يمثل أكثر الجمل العربي، وهي مختلفة بأشكالها، إلى جانب أشكال البقرة، وأشكال أجسام بشرية كثيرة ما يظهر النساء في أوضاع يكن فيها راكعات.

المصادر التاريخية عن ثاج:

تعتبر دراسة الجزء الشرقي من بلاد العرب والخليج العربي في عهد ما قبل الإسلام مجالاً لمؤرخين قليلين كانوا يستعملون وسائل غير كافية مثل بعض المراجع للمنطقة بالخط المسماري، وكتابات بعض الإغريقيين واللاتينيين، والشعر العربي القديم، الذي اشتهر بالخيال القوي وفي كثير من الأحيان بالثقة المشكوك فيها، وكانت السنين العشر الماضية بداية ظهور علم الآثار القديمة على مسرح الخليج العربي، فالاستكشافات والتنقيبات التي قامت بها مجموعة من الباحثين من متحف ارهاس التاريخي في الدانمرك في البحرين والكويت وقطر وعلى طول ساحل عُمان، أكدت أهمية بعض المصادر المكتوبة، وأجابت على بعض الأسئلة التي كانت توحي بها تلك المصادر، وقد جرت تنقيبات على سطح الأرض في الجزء الشرقي من المملكة العربية السعودية مما دل على وجود إمكانية للعثور على آثار قديمة في المنطقة.

ومن أقدم المصادر التي ذكرت ثاج في الأدب العربي (المفضليات) وهي مجموعة شعرية شهيرة كل ما تتضمنه تقريباً من شعر ما قبل الإسلام وقد جمعها المفضل بن محمد الضبي (ت 785م)، ونشرها سي. جي. ليال، والقصيدة التي تذكر أن ثاج تنسب إلى راشد بن قيس بن شهاب اليشكري من بكر بن وائل وهي قبيلة عرف أنها سكنت شرقي الجزيرة العربية خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام، وقد استنتج ليال ما جاء في التعليق على كتاب الحماسة أن راشد كان رئيساً لقبيلته، وهو يرجع تاريخ القصيدة إلى القرن 6م، والقصيدة توحي بأن ثاج كانت مدينة قديمة لقبيلة بكر بن وائل قبل سنة 600م.

أيضاً هناك مصدر أخر مشابه للمصدر السابق وهو (نقائض جرير والفرزدق) لأبي عبيدة (ت 823م)، وجرير والفرزدق هما الشاعران التميميان اللذان عاشا وازدهر شعرهما في العهد الأموي، ويقول الفرزدق في أحد قصائده:

ولولا حياءاً زدت رأسك ضربة … إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي بعيدة أطراف الصدوع كأنها … ركية لقمان الشبيهة بالدحل وقد ذكر أبو عبيدة بأن ركية لقمان (البئر) في ثاج وأنها مطوية بأحجار يزيد طولها على ذراعين وثاج في أطراف البحرين، ويبعث بخراجها إلى اليمامة، وقد كانت ثاج كباقي أجزاء المنطقة الشرقية ظلت بعيدة عن مسرح التطورات السياسية، ولكن المنطقة الشرقية كانت ملجأ للخارجين عن الخلافة الإسلامية من الخوارج والشيعة.

ذُكرت ثاج كذلك عند الهمداني (ت 945م) أحد أبرز علماء الجغرافية العرب، وقد أشار إلى ثاج بأنها تشكل مورد ماء لبني تميم، كما نقل البكري (ت1094م) عن أبو عبيدة قوله أن ثاج هي مورد ماء لبني الفزع من خثعم.

وعند ياقوت (ت1229م) في كتابه معجم البلدان أشار إلى ثاج بأنها نبع يبعد عن البحرين مسافة سفر عدة ليال، كما ذكر بأنها أحد قرى البحرين، وهي تقع في المنطقة الشرقية من بلاد العرب.

ويمكن القول أن ثاج كانت موقعاً خرباً قبل سنة 600م، وأن هذه الخرائب كانت تنسب لملوك عاد الذين ربما كانوا يمثلون الملكيات البائدة في شرقي بلاد العرب، وثاج في عهدها القديم أي بداية العهد المسيحي كانت تقع على تقاطع طرق القوافل التي كانت تصل بين شرقي الجزيرة العربية والعراق، وبين سواحل الخليج العربي، وذلك وفق الشواهد الأثرية، ومع توسع الدولة الإسلامية أصبحت ثاج تابعة لليمامة خلال حكم الخلافة في شبه الجزيرة العربية، واستمرت في لعب دور صغير كمورد مائي للقوافل العابرة، وربما كانت سكناً موسمياً للبدو نصف الرحل.

وفي سنة 1909م قام المعتمد السياسي البريطاني دبليو. إج. آي. شكسبير، بوضع تقارير تشير إلى رحلاته الاستكشافية المبكرة في ثاج والحناة، والتي استمرت من 1909- 1915م، واكتشف من خلالها نصبين حجرين من نصب المقابر في ثاج محفور عليهما كتابة من كتابات سكان الجنوب من الجزيرة العربية.

كشف كذلك عن حجر ثالث في ثاج محفور عليه كتابة جنوبية أحضره أحد البدو إلى المعتمد السياسي البريطاني في الكويت إج. آر. بي. ديكسون، وهذا الحجر كان نصب لقبر.

أهم المكتشفات الأثرية في ثاج:

أثبتت أعمال التنقيب أن موقع ثاج مر على الأقل بثلاث فترات استيطانية تؤرخ الفترة الأقدم إلى ما قبل الفترة الهلينستية أي ما قبل القرن 4 ق.م، أما الفترة المتوسطة فتؤرخ إلى الفترة الممتدة ما بين 332 ق.م، والقرن 1م، وهي ما يعرف باسم الفترة الهلينستية، أما الفترة الثالثة فتؤرخ إلى ما بين القرن 1م والقرن 4م، ويستمر الاستيطان في الموقع خلال العصر الإسلامي وحتى اليوم، ومن أهم المكتشفات الأثرية في موقع ثاج:

1. السور: وهو أهم الظواهر الأثرية التي يمكن مشاهدتها من على السطح، ويبلغ مجموع أطواله من الداخل 253م تقريباً، ويتراوح سمك السور بين 4-4.55م ويوجد في كل ركن من أركان السور برج، وفي داخل السور يوجد تلال أثرية، ويحيط بمدينة ثاج سور حصين، يعد الوحيد من نوعه في تاريخ شرق شبه الجزيرة العربية، إذ تأثر بثقافتين مختلفتين، هما العمارة اليونانية التي أثارتها حملات الملك الإسكندر المقدوني على آسيا الغربية، وعمارة جنوب شبه الجزيرة العربية، والسور مشيد من الكتل الجيرية المنحوتة والحجارة المشذبة، يطوق المدينة في شكل أشبه بالمعين، ويضم أبراجًا نصف دائرية للمراقبة، وأخرى تأخذ شكل معين، يُقدر محيطها بين 5 و6 م، وتنتشر حول القلعة من الجهتين الجنوبية والغربية آثار لوحدات معمارية، يبدو أنها كانت مخصصة لشعائر دينية أو مناسبات اجتماعية تابعة للمدينة، وآبار مطوية يبلغ عددها نحو 20 بئرًا لخدمة البلدة، وبينما تخترق الأودية الجزء الجنوبي من المدينة، وتغطي الأراضي السبخة الجزء الشمالي منها، يمثل الجزء الأوسط المنطقة التي كان يحتشد فيها سكان الواحة.

2. المدافن: ومن أهم المدافن التي نقبت في موقع ثاج مدفن أطلق عليه اسم (تل الزاير) نسبة إلى مكتشفه وليد الزاير، وعثر في هذا المدفن على تابوت خشبي به بقايا جثة فناة أطلق عليها اسم الفتاة المجهولة، وقد زود التابوت بأرجل معدنية، وكان مربوطاً بأشرطة من الذهب الخالص ومرصعاً بمئات القمور الذهبية دائرية الشكل منها ما يظهر بحجم كبير، وعثر أيضاً على تاج وكف وذراع وقناع وأقراط وأساور وجميعها مصنوعة من الذهب الخالص، ونظراً لضخامة ما عثر عليه في هذا القبر أطلق عليه اسم (كنز ثاج)، وهو معروض حالياً في المتحف الوطني بالرياض.

ومن الملفت أن هذه المعثورات بها تأثيرات يونانية، فعلى سبيل المثال: القناع الذهبي يوجد ما يماثله في الحضارة اليونانية كقناع البطل أجا ممنون، أيضاً وجد في تابوت الفتاة المجهولة أربعة أرجل معدنية مطلية بماء الذهب شكلت كل واحدة منها على هيئة سيدة ترتدي ملابس إغريقية، وعثر على خاتمين من الذهب مطعمين بالأحجار الكريمة وعليهما نقوش، أحدهما يحمل نقشاً لرأس آدمية قد يكون رأساً لحاكم، أما النقش الثاني الموجود على الخاتم الآخر فهو يمثل هيئة آدمية كاملة تمثل الربة الإغريقية أرتميس، وهي الربة ديانا الرومان، وتظهر أرتميس واقفة ترتدي تاجاً فوق رأسها، وتستند على عمودين وتقف أمام عمود ثالث يمثل مذابح القرابين.

3. العملات: عثر في ثاج على الكثير من العملات وقد قسمت إلى نوعين: عملات لها الطابع المحلي للمنطقة، وعملات متأثرة بالدولة السلوقية في شمال الجزيرة العربية.

4. الفخار: ينقسم فخار ثاج إلى ثلاث مجموعات: الفخار الغير مطلي، الفخار المطلي، الفخار المزجج، ووجد فخار مستورد مثل: الفخار المزجج الأسود اليوناني، كما وجد كميات كبيرة من الفخار المحلي، وقد وجدت كميات كبيرة من الرماد، ولقد تعددت أنواع وأشكال الأواني الفخارية من قدور وأكواب وغيرها، وعثر في ثاج على فخار مزجج أبيض وأزرق وأخضر، وفخار أحمر مطلي مدهون بأحمر بزخرفة، وفخار مدهون بزخارف خطوط أفقية متوازية بلون الأحمر والبني والأسود .

5. المباخر: وجد في ثاج مجموعة كبيرة من المباخر، وقد صنعت المباخر من عجينة صلصالية ذات لون أبيض مصفر، أو أحمر، أو بني غامق محمر على هيئة مكعب، ولها أربعة أرجل قصيرة وتحمل بعضها زخارف هندسية بارزة وأحياناً غائرة والبعض يخلو من الزخارف وتظهر آثار حرق البخور على بعض منها.

6. النقوش: تم الكشف عن كتابات قديمة منقوشة على الأحجار والنقوش التي وجدت في المنطقة الشرقية منها المسند، ومنها الآرامي، ولكن المسند الذي كان منتشر أكثر من غيره، وأطلق عالمان الآثار ونيت وجام على نقوش المسند التي وجدت في المنطقة الشرقية بالخط الحسائي، وأكثر النقوش عبارة عن شواهد قبور حيث توضع بجانب الميت ويكون فيها تفصيل عن أسم الميت واسم أبيه ولقبة وعشيرته وقبيلته.

الخاتمة:

1. تعتبر ثاج أحد أهم المراكز الحضارية المهمة في الجزيرة العربية التي ازدهرت في الألفية الأولى ق.م، وكان من أهمها الفترة الهلنستية.

2. تميزت ثاج بتراثها العمراني القديم وبالرفاهية، كما اشتهرت بكنوزها الذهبية والأحجار الكريمة، وتتضمن معثورات أثرية منها: العقود وأساور وقفاز والخواتم والأشرطة والأقنعة.

3. أثبتت المكتشفات الأثرية في ثاج تأثرها بالفن الإغريقي بشكل كبير، وهذا ما ظهر جلياً في قطع المعثورات على سطح الأرض أو في المدافن.

4. حظيت ثاج باهتمام علماء الجغرافيا العرب، والذين أبرزوا قيمتها التجارية والحضارية في كتاباتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى