الكتاب

فضفضة متقاعد (6) .. احتكار الصالة .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي

كان عليّ أن أخوض بعد التقاعد معارك من نوع آخر .. لا من أجل منصب يرجى، ولا علاوة تُنتظر، ولا ترقية يسعى إليها الساعون، وإنما من أجل حصر الإرث في الصالة.

فطوال سنوات الخدمة الطويلة، كنت أغادر المنزل مع ساعات الصباح الأولى، ولا أعود إلا وقد استقر كل واحد من الأسرة في مكانه المفضل، وترسخت لكل منهم منطقة نفوذه، وأصبحت الصالة والتلفزيون يعيشان حياتهما المستقلة تماما عني.

كنت مجرد ضيف شرف يمر سريعا ، يختلس النظر إلى ما يتيسر من شاشة لم يختر قناتها، ثم ينصرف بهدوء.

أما بعد التقاعد فقد رأيت أن من حقي أن أستعيد شيئا من حضوري في البيت، وأن يكون لي موطئ قدم ثابت في الصالة الرئيسية، بل وأن تمتد يدي إلى جهاز التحكم بحرية، ودون أن أضطر لطلب إذن أو أخوض رحلة بحث عنه.

لم يكن الأمر نزهة، فقد خضت مفاوضات شاقة، وشهدت الصالة شدا وجذبا ، وتنازلات فرضتها الظروف، حتى انتهى بي المطاف أخيرا جالسا في مقعدي المفضل، الشاشة أمامي، وجهاز التحكم يقبع آمنا بجواري.

ولا أدري إلى اليوم إن كان ذلك انتصارًا حقيقيا حققته بجهدي، أم هو مجرد تنازل كريم من أفراد الأسرة، أم أنهم رأوا ـ برأفة ـ أن هذا المتقاعد يحتاج إلى (مشروع) يشغل به وقته، فتركوا له الصالة بما فيها تفاديا لوجع الرأس.

والطريف في الأمر، أنني بعدما أصبح التلفزيون تحت تصرفي، اكتشفت أنني لم أعد أشاهده كما كنت أتخيل! إذ بت أقضي وقتًا في التنقل بين القنوات أطول بكثير من وقت المشاهدة الفعلية.. وربما أغلقه تمامًا بعد دقائق معدودة، وأنشغل بتفاصيل أخرى.

أما الصالة نفسها، فقد أصبحت مع الوقت أقرب إلى مساحتي الخاصة.. لا يشاركني فيها أحد إلا أحيانا، ولمدة وجيزة، إما مجاملة، أو باعتبارها محطة عبور، قبل أن يعود كل واحد إلى عالمه الصغير في جواله او ينصرف الى اقرانه.

وهكذا وجدت نفسي، دون أن أخطط لذلك، قد أصبحت صاحب النصيب الأكبر من الصالة والتلفزيون معًا .. لكن هذا كله ـ مهما قيل فيه ـ لا يغيّر حقيقة واحدة أساسية و هي أنني خرجت من تلك الموقعة بشيء ( محرز ).. وبعض من السيادة !

يتبع…

​إيماءة:

《 فضفضة متقاعد 》حكاياتٌ ساخرة تستلهم مواقف واقعية من رحلتي ورحلات آخرين مع التقاعد، وتترك للمخيّلة حرية المبالغة في التفاصيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى