فضفضة متقاعد (7) .. تكتل الطحاطيح .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي
أيام الوظيفة لم تكن علاقتي بهاتفي ذات شأن، ويمكن وصفها بالفاترة.. أستخدمه عند الحاجة، وينتهي الأمر عند هذا الحد.
بعد التقاعد تغيرت الأمور.. اتسعت المساحة، وتقلصت المهام، وبدأت علاقة عاطفية تنمو بيني وبينه، حتى بتنا متلازمين ، فتراه قابعًا في يدي آناء النهار وأطراف الليل .. أتنقل بين تطبيقاته، وأنبش في خصائصه، وأكتشف يومًا بعد يوم مزيدًا من قدراته، حتى بدأت أفكر في استثمار هذا الفراغ من خلاله، فلاح لي مشروع تأسيس مجموعات واتساب كباكورة إنتاج.
شحذت إصبعي، وشرعت في صناعة عدة ( قروبات ) وأطلقت عليها أسماء رنانة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
▪️ قروب النخبة
▪️ رفقاء الدرب
▪️ الخبراء المتحدون
▪️ تكتل الطحاطيح
▪️ متكأ الود
بعض تلك المجموعات دبت فيها الحياة، وأصبحت تعج بالنقاشات والمعلومات والمقاطع والصور، وبعضها الآخر ولد خاملًا إلى درجة أنني شككت أن أعضاءها يعلمون أصلًا أنهم أضيفوا إليها !
لم يفُت ذلك في عضدي و لم أفكر في إغلاق أي مجموعة، خاصة تلك التي تضم من لا يزالون على رأس العمل، فقد كنت ألتمس لهم العذر .. فما زالت التزاماتهم موزعة بين الدوام والأسرة وغيرها، وربما لا يجد أحدهم فرصة لفتح الهاتف إلا على عجل.
أما أنا، فقد أصبح الهاتف صديقًا مطيعًا .. لا يهمني إن كانت الساعة السادسة صباحًا أو الحادية عشرة ليلًا، وبِتُّ لا أعترف كثيرًا بما يسمى – الوقت المناسب – فإن خطرت لي خاطرة نشرتها، وإذا أعجبني مقطع شاركته، وإذا وصلتني معلومة مررتها فورًا.
بل إنني أحيانًا أكتشف أن ما وصلني ليس جديدًا أصلًا، وأنني رأيته من قبل، لكنني لا أذكر في أي قروب كان، فأعيد تدويره بحماس، ثم لا ألبث أن أراه يعود إليّ من عضو آخر، فأدرك حينها أنني كنت محطة في رحلة طويلة.
أما صحة المعلومة ومنطقيتها، فتلك قضية أخرى لا تعنينا من قريب أو بعيد.. فأنا وأمثالي في النهاية ( حطابو ليل ) نجمع كل ما يقع في طريقنا، ثم نلقيه في أقرب مجموعة، وعلى المتلقي تقع مسؤولية التدقيق والتصحيح.
ومع مرور الأيام، وجدت أن الأمر لم يعد مجرد متابعة للمجموعات، بل أصبح له طقوسه اليومية.
أستيقظ فأتفقد ما فاتني، وأرد على ما يستحق الرد وما لا يستحق، وأفتي في كل مجال، دون أن أنسى إطلاق باقات صباح الخير المذهبة وغير المذهبة في كل اتجاه.
وهكذا يمضي اليوم بين مقطع يجر وراءه مقطعًا، وصورة تستدعي تعليقًا، والتعليق قد يستدعي نقاشًا، حتى أجد نفسي وقد انقضت الساعات دون أن أشعر.
وبعد كل هذا الانشغال، أراجع حصيلة يومي من:
كفو
وبيض الله وجهك
ورائع
وأعجبني المحتوى
وصح منطوقك
وأحصي عدد الرموز التعبيرية، حتى وإن كنت لا أعرف أهي إعجاب أم مجرد إثبات حضور، فأشعر بالرضا البالغ.. خصوصًا إن تجاوز عدد ملصقات (كفو و أخواتها ) خمسة فأكثر.
(يتبع…)


