الوطن أمانة .. والخيانة قنبلة موقوتة في قلب المجتمع .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي
الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها ولا حدود ترسمها الخرائط ولا علم نرفعه في المناسبات بل هو هوية تسكن أرواحنا وكرامة نعتز بها وتاريخ نفخر به ومستقبل نحمله أمانة في أعناقنا. والوطن الحقيقي هو الذي نشعر بالأمان في رحابه، وننعم بخيراته، ونستظل بقيادته، ونفاخر بالانتماء إليه أمام العالم أجمع.
والمملكة العربية السعودية ليست وطنا عاديا في وجدان أبنائها بل هي أرض العز والشموخ، ومهبط الوحي وقبلة المسلمين وموطن الحرمين الشريفين ومنطلق رسالة الإسلام إلى العالم. وهي قلب العالم الإسلامي وركيزة أساسية في محيطها العربي بما تحمله من مكانة دينية عظيمة وثقل سياسي واقتصادي، ودور مؤثر في خدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية.
إن المملكة ليست مجرد دولة بين الدول ، بل هي وطن تتجه إليه قلوب أكثر من ملياري مسلم، وتحتضن أرضه أطهر البقاع وتتطلع إليه شعوب كثيرة بوصفه ركنا مهما للاستقرار والأمن والتنمية.
ومن هنا،، فإن المحافظة على أمن المملكة واستقرارها ومقدراتها ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية كل مواطن ومقيم شريف يعيش على أرضها.
فحب الوطن لا يقاس بكثرة الشعارات ولا بجمال العبارات وإنما يثبت بالمواقف الصادقة والعمل المخلص والمحافظة على الممتلكات العامة وحماية المكتسبات الوطنية والحرص على وحدة الصف، والتصدي لكل ما يستهدف أمن البلاد أو يعبث باستقرارها.
إن الأخطار التي تواجه الأوطان ليست دائما قادمة من خارج الحدود فهناك خطر أشد خبثا وأعظم ضررا ، وهو خطر الخيانة من الداخل.
فخونة الداخل هم القنبلة الموقوتة التي قد تكون أشد خطرا من العدو الظاهر . لأن العدو الخارجي تعرف موقعه وتدرك نواياه أما الخائن فيتستر خلف الانتماء ويتخفى بين أبناء الوطن بينما يعمل على الإضرار بأمنه ومصالحه ومقدراته.
إن من يتعمد تسريب أسرار وطنه لأعدائه، أو يتعاون مع جهات تستهدف أمنه أو يشارك في التخريب والتجسس وزعزعة الاستقرار ، قد خان الأمانة التي ينبغي أن يصونها وأساء إلى الوطن الذي احتضنه.
ولذلك فإن كشف الأعمال الخيانية والإبلاغ عن التهديدات الحقيقية والمعلومات الموثوقة المتعلقة بها إلى الجهات الأمنية المختصة واجب ديني ووطني وأخلاقي، تفرضه الأمانة ويقتضيه الإخلاص للوطن.
فديننا الإسلامي الحنيف يأمر بحفظ الأمانات وينهى عن الغدر والخيانة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
ولا ينبغي التهاون مع من تثبت خيانته أو تورطه في الإضرار بأمن البلاد ، بل يجب أن تأخذ العدالة مجراها وأن تطبق الأنظمة بحزم على كل من تسول له نفسه العبث بأمن المملكة واستقرارها.
وفي المقابل، فإن الواجب الوطني يقتضي التحلي بالمسؤولية، فلا تتحول الشكوك أو الخلافات الشخصية أو اختلاف الآراء إلى اتهامات بالخيانة فالإبلاغ يكون عن وقائع ومعلومات جدية ، والتحقق وإثبات المسؤولية من اختصاص الجهات المختصة وحدها.
إن ما تحقق للمملكة من نهضة عمرانية واقتصادية وتعليمية وصحية وتنموية لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة عقود من البناء والتخطيط والعمل والعطاء.
والمحافظة على هذه المكتسبات واجب على الجميع، لأنها ليست ملكا لجيلنا وحده بل حق لأبنائنا وأحفادنا والأجيال القادمة.
ومن المؤسف أن يرفع البعض شعار الوطنية بينما يعبث بالممتلكات العامة أو يهدر المال العام أو يتهاون في أداء واجباته أو يقدم مصالحه الشخصية على مصالح وطنه.
فالوطنية الحقيقية تبدأ من الإخلاص في العمل، والأمانة في المسؤولية واحترام الأنظمة ومحاربة الفساد والمحافظة على المال العام وتنشئة الأجيال على الاعتزاز بهويتهم وقيمهم وانتمائهم.
إن ما تتمتع به المملكة العربية السعودية من مكانة إسلامية وعربية ودولية يجعل أمنها واستقرارها ذا أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية.
فهي حاضنة الحرمين الشريفين وخادمة ضيوف الرحمن وذات دور محوري في الاقتصاد العالمي وشريك أساسي في الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار والتنمية.
ومن هنا فإن أمن المملكة واستقرارها ليسا شأنا محليا فحسب بل يمثلان مصلحة مهمة للعالمين العربي والإسلامي.
ولقد أثبتت المملكة عبر مسيرتها أن البناء والتنمية والتمسك بالقيم الإسلامية والهوية الوطنية يمكن أن تسير جنبا إلى جنب وأن الطموح إلى المستقبل لا يعني التخلي عن الجذور والمبادئ.
كلمة أخيرة
إن الوطن الذي يمنحنا الأمن والكرامة والاستقرار يستحق منا الوفاء، لا بالكلمات وحدها بل بالمواقف والأفعال.
وليعلم كل من تسول له نفسه خيانة هذا الوطن أن أمن المملكة خط أحمر، وأن مقدراتها أمانة وأن التهاون مع الجرائم التي تستهدفها ليس خيارا ، وأن الدولة بمؤسساتها وأنظمتها هي صاحبة الاختصاص في حماية أمنها ومحاسبة من يثبت تورطه.
ستبقى السعودية، بإذن الله شامخة بقيادتها عزيزة بأبنائها قوية بوحدتها محفوظة بعناية الله ثم بيقظة مؤسساتها ووعي شعبها ووطنا يسكن القلوب وعزا تتوارثه الأجيال وراية خفاقة لا تنحني إلا لله.


