الكتاب

صاحب الكرة .. بقلم | أحمد الهزاع

بقلم: أحمد الهزاع

حين تتحول الإدارة إلى احتكار، ويصبح المدير هو الفريق بأكمله!

في عام ١٩٨٩، وتحديدًا في حي النسيم، عشنا موقفًا كرويًا بسيطًا، لكنه ترك في ذاكرتي درسًا إداريًا عميقًا، لا يزال يتكرر أمام أعيننا حتى اليوم.

كان الوقت قرابة الساعة الرابعة عصرًا، واستمر اللعب حتى صلاة المغرب. جئنا استجابةً لطلب كابتن الفريق، الذي أظن أنه كان بدويًا، وكان عددنا تسعة لاعبين فقط. وبمجرد أن اجتمعنا، اقترحت عليه أن نجعل اللعب في نصف الملعب، بما يتناسب مع عددنا.

لكنني فوجئت ببندر، الذي بدا وكأنه صاحب القرار في كل شيء!

بندر هو الذي يوزع اللاعبين، وهو الذي ينفذ الضربات الحرة، وهو الحكم الذي يحتكم إليه الجميع، وهو الذي يسدد ركلة الجزاء، وهو الذي يقرر من يخرج ومن يدخل، وهو الذي ينفذ رمية التماس، وهو الذي يرفع الركنية!

باختصار، لم يكن بندر مجرد لاعب في الفريق؛ بل كان الفريق بأكمله!

تأملت المشهد، وقلت في نفسي: ما هذا الفريق الذي لا يملك فيه أحد حق المبادرة، ولا مساحة لاتخاذ القرار، ولا فرصة لإظهار قدراته، بينما يحتكر شخص واحد كل الأدوار والصلاحيات؟

لقد كان ذلك المشهد الكروي البسيط صورة مصغرة لما يحدث في بعض الشركات والإدارات والمؤسسات؛ حيث يتحول المدير من قائد يدير فريقًا إلى شخص يريد أن يكون هو الفريق كله.

المدير الذي يريد أن يفعل كل شيء

في بعض بيئات العمل، تجد المدير هو الذي يقرر، ويعتمد، ويراجع، ويوجه، وينفذ، ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة. لا يثق بقدرات موظفيه، ولا يمنحهم الصلاحيات الكافية، ولا يسمح لهم باتخاذ القرارات حتى في حدود مسؤولياتهم.

وإذا حاول أحد الموظفين المبادرة، وجد أمامه سلسلة من الموافقات والإجراءات، وربما واجهه المدير بعبارة: )ارجع لي قبل أن تفعل أي شيء(.

ومع مرور الوقت، تتحول الإدارة إلى عنق زجاجة؛ تتكدس المعاملات على مكتب المدير، وتتأخر الإنجازات، وتضعف المبادرات، ويصبح الموظفون مجرد منفذين ينتظرون التعليمات، لا شركاء في النجاح.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: ليس لأن الموظفين عاجزون عن العمل، بل لأن الإدارة لم تمنحهم الفرصة الكافية ليعملوا.

احتكار الصلاحيات يقتل روح الفريق

الإدارة الناجحة لا تعني أن يكون المدير حاضرًا في كل قرار، بل أن يبني فريقًا قادرًا على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

فالمدير الذي يحتكر الصلاحيات قد يشعر بأنه يسيطر على كل شيء، لكنه في الواقع يجعل المؤسسة تعتمد عليه اعتمادًا مفرطًا، ويضعف قدرتها على الاستمرار بكفاءة في غيابه.

أما المدير الناجح، فيعرف متى يتدخل، ومتى يوجه، ومتى يفوض، ومتى يترك المجال للآخرين ليبدعوا ويثبتوا جدارتهم.

إن التفويض ليس تنازلًا عن المسؤولية، ولا انتقاصًا من مكانة المدير، بل هو دليل على ثقته بفريقه، ونضجه الإداري، وقدرته على بناء منظومة عمل متكاملة.

من يحتكر الكرة لا يستطيع الفوز وحده

في كرة القدم، لا يستطيع لاعب واحد أن يوزع الكرة على الجميع، ويسدد كل الضربات، ويحكم المباراة، ويقرر التبديلات، ثم يتوقع من بقية اللاعبين أن يقدموا أفضل ما لديهم!

وكذلك في الإدارة؛ لا يمكن للمدير أن يحتكر القرار والتنفيذ والمتابعة، ثم يتساءل عن أسباب ضعف الإنتاجية، وتأخر الإنجاز، وغياب المبادرة، وانخفاض الحماس لدى الموظفين.

إن الفريق يحتاج إلى قائد ينظم اللعب، ولاعبين يمتلكون الثقة والمسؤولية، وخطة واضحة يعرف فيها كل فرد دوره وحدود صلاحياته.

والشركة كذلك تحتاج إلى هيكل إداري واضح، ومسؤوليات محددة، وصلاحيات متوازنة، وآليات للمساءلة والتقييم، وثقافة عمل تقوم على الثقة والتعاون.

الإدارة التي تضيق الأفق

أخطر ما في الإدارة المركزية المفرطة أنها لا تعطل الإنجاز فحسب، بل تضيق أفق المؤسسة كلها.

فحين يصبح كل قرار صغير وكبير مرتبطًا بشخص واحد، تتراجع سرعة الاستجابة، وتختفي الحلول المبتكرة، ويخشى الموظف تحمل المسؤولية، ويتحول العمل من سعي لتحقيق النتائج إلى محاولة لتجنب اللوم.

وبدلًا من أن يسأل الموظف نفسه: كيف أطور العمل؟ يصبح سؤاله: هل أستطيع اتخاذ هذا القرار دون أن أتعرض للمساءلة؟

وهكذا تخسر المؤسسة أهم ما تملكه: عقول موظفيها، وخبراتهم، وقدرتهم على المبادرة.

القائد الحقيقي يصنع قادة

المدير المتميز ليس من يثبت للجميع أنه قادر على القيام بكل شيء، بل من يجعل فريقه قادرًا على القيام بالأشياء بكفاءة، حتى في غيابه.

هو من يحدد الأهداف، ويوزع الأدوار، ويمنح الصلاحيات، ويتابع النتائج، ويحاسب بعدل، ويفتح المجال أمام الكفاءات لتتقدم وتتحمل المسؤولية.

فالنجاح الإداري لا يقاس بعدد القرارات التي يوقعها المدير، ولا بعدد المعاملات التي تمر عبر مكتبه، بل بقدرة المؤسسة على الإنجاز، وسرعة اتخاذ القرار، وجودة المخرجات، ومدى تطور موظفيها.

المدير الذي لا يثق بأحد سيظل مضطرًا إلى فعل كل شيء بنفسه، أما المدير الذي يبني الثقة في فريقه، فيستطيع أن يحقق ما لا يستطيع تحقيقه بمفرده.

خاتمة: لا تكن صاحب الكرة!

قد تبدو حكاية حي النسيم في عام ١٩٨٩ مجرد ذكرى من مباراة كرة قدم قديمة، لكنها تحمل رسالة إدارية تستحق التأمل.

في كل مؤسسة، هناك من يريد أن يكون صاحب الكرة؛ يوزعها، ويحتفظ بها، ويحدد من يلعب، ومن يجلس على مقاعد البدلاء، ومن يسدد، ومن يحكم.

لكن المؤسسات لا تتقدم بعقلية الاحتكار، ولا تنجح بكثرة الأوامر، ولا تزدهر حين تتجمع كل الصلاحيات في يد واحدة.

إنها تتقدم حين يعرف كل فرد دوره، ويمتلك الصلاحية التي تمكنه من أداء مسؤوليته، ويعمل الجميع تحت قيادة تدرك أن قوتها الحقيقية ليست فيما تحتفظ به لنفسها، بل فيما تستطيع أن تطلقه من قدرات الآخرين.

فإذا أردت أن تكون مديرًا ناجحًا، فلا تكن اللاعب الذي يحتكر الكرة، بل كن القائد الذي يصنع فريقًا يعرف كيف يلعب، ومتى يمرر، وأين يسدد، وكيف يفوز.

لأن الإدارة ليست أن تكون كل شيء، بل أن تجعل الجميع قادرين على تقديم أفضل ما لديهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى