علي الخالدي: من 27 عامًا في الهيئة الملكية إلى قيادة إجادة .. كيف نصنع مستقبل الفني السعودي؟
في حوار الأسبوع مع المستشار الإعلامي " آل غصنة " :

حوار | عبدالله آل غصنة . الجبيل
من مسيرة مهنية امتدت 27 عامًا في الهيئة الملكية بالجبيل، إلى قيادة جمعية إجادة، يحمل الأستاذ علي فليّج الخالدي تجربة تجمع بين العمل الإداري وخدمة المجتمع، ورؤية تضع تأهيل الكفاءات الوطنية وتعزيز مكانة الفني السعودي في مقدمة الأولويات.
وفي حوار «جيل اليوم»، نفتح معه ملفات التوطين والتدريب والتوظيف، ونتوقف عند مبادرات جمعية إجادة وشراكاتها، ونتعرف على رؤيته لمستقبل المهن الفنية في ظل التحولات الصناعية والتقنية المتسارعة التي تشهدها المملكة.
من الهيئة الملكية إلى العمل المجتمعي
1. أمضيتم 27 عامًا في الهيئة الملكية بالجبيل، وتوليتم خلالها مسؤوليات إدارية متعددة؛ ماذا أضافت لكم هذه التجربة، وكيف انعكست على قيادتكم لجمعية إجادة؟
كانت تجربة ثرية بكل تفاصيلها، فالعمل في بيئة مؤسسية بحجم الهيئة الملكية يمنح الإنسان خبرات متنوعة، ويعلمه أهمية التخطيط والانضباط والعمل بروح الفريق. والأهم أنني خرجت بقناعة راسخة بأن نجاح أي مؤسسة يبدأ من الاستثمار في الإنسان، وهي القناعة التي أحملها اليوم في عملي مع الجمعية السعودية للفنيين – إجادة.
2. بعد هذه المسيرة الطويلة، ما الذي دفعكم إلى العمل في القطاع غير الربحي؟ وهل كانت هناك تجربة أو موقف جعلكم أكثر إيمانًا بأهمية تمكين الكفاءات الوطنية؟
أؤمن بأن العطاء لا يرتبط بوظيفة أو منصب، وأن الخبرات التي يكتسبها الإنسان خلال مسيرته المهنية ينبغي أن يكون لها أثر في المجتمع. وجدت في القطاع غير الربحي فرصة لتحويل الخبرة إلى مبادرات تخدم المجتمع و جيل المستقبل وتساعدهم على بناء مستقبلهم المهني، خصوصًا في المجالات الفنية التي تمثل ركيزة مهمة للاقتصاد الوطني.
3. فكرة تأسيس جمعية تمكين للاستشارات و التدريب و مجتمع الفنيين.
انا مؤسس جمعية تمكين وكانت الفكرة مساعدة المجتمع و الاسر المتعففة في إيجاد فرص عمل جأت فكرة تأسيس الجمعية تمكين و بادر بعض الزملاء بالمشاركة بالتأسيس.
إجادة وسوق العمل
4. انطلقت الجمعية السعودية للفنيين – إجادة من الجبيل، المدينة التي تحتضن واحدة من أكبر القواعد الصناعية في المملكة؛ ما الفجوة التي جاءت الجمعية لسدها، وما الذي يميزها عن جهات التدريب والتأهيل الأخرى؟
انطلقت فكرة الجمعية من أهمية وجود جهة متخصصة تهتم بالفنيين والفنيات، وتسهم في تطوير قدراتهم وتعزيز مكانتهم المهنية. فالجبيل مدينة صناعية كبرى، وتحتاج إلى كوادر فنية مؤهلة تواكب تطور الصناعة. ونسعى لأن تكون إجادة حلقة وصل فاعلة بين الكفاءات الفنية والجهات التعليمية والتدريبية وسوق العمل.
5. يواجه بعض خريجي التخصصات الفنية صعوبة في الحصول على وظائف رغم حاجة القطاع الصناعي إلى الكفاءات؛ أين تكمن المشكلة من وجهة نظركم؟
القضية ليست في قلة الفرص وحدها، بل في مدى توافق مخرجات التأهيل مع احتياجات الشركات. بعض الوظائف تتطلب مهارات عملية وشهادات مهنية وخبرات محددة. ولذلك فإن الحل يتطلب شراكة حقيقية بين جهات التدريب والشركات، وتطوير البرامج وفق احتياجات السوق، مع منح الشباب فرصًا لاكتساب الخبرة.

6. بعد سنوات من تأسيس الجمعية، نريد أن نتحدث بلغة الأرقام: كم فنيًا وفنية استفادوا من برامج إجادة؟ وكم منهم حصلوا على فرص عمل فعلية؟ وما أبرز إنجاز يمكن أن تضعوه أمام المجتمع؟
نعتز بما قدمته الجمعية من مبادرات وبرامج ولقاءات مهنية، وما بنته من علاقات مع جهات مختلفة لخدمة الفنيين والفنيات. ومن أبرز أعمالها تنظيم المؤتمر السعودي الأول للفنيين، وبرامج التوعية والتأهيل، ولقاءات إجادة توك. أما الأرقام التفصيلية للمستفيدين وفرص التوظيف، فمن المهم إعلانها وفق السجلات والتقارير المعتمدة، حتى تكون الصورة دقيقة وتعكس الأثر الفعلي للجمعية.
7. في ظل التحولات الصناعية والتقنية التي تشهدها المملكة، هل أصبحت التخصصات الفنية التقليدية كافية لسوق العمل، أم أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة يفرضان على الفني السعودي اكتساب مهارات جديدة؟
العالم الصناعي يتغير بسرعة، والمهارات المطلوبة اليوم ليست بالضرورة هي نفسها التي كانت مطلوبة قبل عشر سنوات. الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتقنيات الحديثة تفرض على الفني أن يطور نفسه باستمرار. وأعتقد أن المستقبل سيكون للفني الذي يجمع بين المهارة العملية هي عامل مساعد و يسهل العمل والمعرفة التقنية والقدرة على التعلم والتكيف.
المبادرات والشراكات
8. نظمت الجمعية المؤتمر السعودي للفنيين في الجبيل خلال أبريل 2025؛ ما أبرز النتائج التي خرج بها المؤتمر؟ وهل تحولت توصياته إلى برامج ومبادرات ملموسة؟
يمثل المؤتمر خطوة مهمة في إبراز مكانة الفنيين وفتح مساحة للحوار بين المختصين والجهات ذات العلاقة. وتكمن قيمته في تبادل الخبرات ومناقشة التحديات واستكشاف فرص التعاون. ونسعى إلى أن تكون مثل هذه الفعاليات منطلقًا لمبادرات عملية مستدامة، لا مجرد لقاءات تنتهي بانتهاء المناسبة و الان الجمعية لها مقعد في قطاع الطاقة المرافق لدراسة اوجه التدريب المستقبلة للمهن الحرجة تحت مظلة وزارة الموارد البشرية .
9. تحظى لقاءات «إجادة توك»، التي تنظمها جمعية إجادة بالتعاون مع غرفة الشرقية الجبيل، باهتمام لافت من خلال استضافة نخبة من المختصين وأصحاب الخبرات في مختلف المجالات؛ كيف تقيّمون أثر هذه اللقاءات، وما الذي حققته من أهداف؟
تُعد لقاءات «إجادة توك» منصة مهمة لتبادل الخبرات ونقل المعرفة وفتح آفاق الحوار بين المختصين والمهتمين. وقد أسهم التعاون مع غرفة الجبيل في دعم هذه اللقاءات وتعزيز حضورها، ونثمّن دور الغرفة وشراكتها الفاعلة في إنجاح هذه المبادرة، كما نقدر للمختصين والخبراء الذين استضفناهم مشاركتهم وإثراءهم للقاءات بتجاربهم ومعارفهم. ونتطلع إلى مواصلة تطوير هذه المبادرة لتكون مصدر إلهام ومعرفة، وتسهم في تنمية القدرات المهنية وخدمة المجتمع.

10. نفذت الجمعية برامج للتوعية بالسلامة المنزلية وأساسيات الصيانة؛ هل ترون أن دور إجادة يجب أن يمتد من تأهيل الفنيين إلى خدمة الأسرة والمجتمع؟
المعرفة الفنية ليست حكرًا على المصانع وورش العمل، بل هي جزء من حياتنا اليومية. نشر ثقافة السلامة والوعي بأساسيات الصيانة يسهم في حماية الأرواح والممتلكات، ويعزز المسؤولية المجتمعية. ونرى أن الفني يستطيع أن يقدم خدمة مهمة للمجتمع، إلى جانب دوره في التنمية الصناعية.
11. شهدت الجمعية تعاونًا مع جهات صناعية وتعليمية ومهنية؛ إلى أي مدى نجحتم في تحويل هذه العلاقات إلى فرص تدريب وتوظيف؟ وهل توجد شراكات جديدة يمكن الإعلان عنها؟
الشراكات تمثل أحد المسارات الأساسية لعمل الجمعية، لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى برامج تدريب وفرص تطوير وتوظيف. ونعمل على تعزيز التواصل مع الجهات الصناعية والتعليمية والمهنية، ونطمح إلى توسيع التعاون بما يحقق نتائج ملموسة للمستفيدين، مع أهمية توثيق تلك النتائج وقياس أثرها.
التوطين والفرص الوظيفية
12. أعلنتم في مايو 2025 عن مبادرة لتوطين مهنة الفنيين بالتعاون مع الهيئة السعودية للمهندسين، تستهدف أكثر من 100 شركة في المنطقة الشرقية؛ أين وصلت المبادرة اليوم؟ وكم فرصة وظيفية أسهمت في توفيرها حتى الآن؟
من هنا جاءات فكرة تدشين منصة إجادة موارد لحصر و جمع الفنيين و الخرجين و الباحثين عن العمل و المنصة حاليا تتضمن 24000 سيرة ذاتية للخرجين كما تم توقيع مذكرة تفاهم مع المعهد الثانوي الصناعي بالدمام و توطين المهن الفنية يتطلب عملًا مشتركًا بين الجهات المهنية والشركات ومؤسسات التدريب. واستهداف الشركات خطوة تهدف إلى بناء شراكات تفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية. لكن الحكم على نجاح أي مبادرة يجب أن يستند إلى نتائجها الفعلية، مثل عدد الشركات المشاركة والفرص المتاحة والمستفيدين الذين حصلوا على وظائف. وهذه المؤشرات ينبغي تقديمها من خلال البيانات الرسمية المعتمدة للمبادرة.
13. رغم وجود شركات صناعية كبرى في الجبيل، لا يزال بعض الشباب يبحثون عن فرص عمل خارج المحافظة؛ هل هناك قصور في استيعاب الكفاءات الفنية المحلية؟ وما الذي تستطيع إجادة فعله لتغيير هذا الواقع؟
وجود قاعدة صناعية كبيرة لا يعني بالضرورة أن جميع الفرص تتناسب مع مؤهلات الباحثين عن عمل. فهناك متطلبات فنية ومهنية تختلف من شركة إلى أخرى. والحل يكمن في تعزيز التنسيق، والتعرف المبكر على احتياجات الشركات، وتوجيه الشباب نحو المهارات المطلوبة، وفتح مسارات للتدريب والتأهيل.

14. هل يحظى الفني السعودي بالتقدير المهني والمادي الذي يستحقه مقارنة بالوظائف الإدارية والهندسية؟ وكيف يمكن تغيير النظرة الاجتماعية لبعض المهن الفنية؟
الفني عنصر أساسي في نجاح أي منشأة صناعية، ولا يمكن للصناعة أن تستمر بكفاءة دون الكفاءات الفنية. ومن المهم تعزيز مكانته اجتماعيًا ومهنيًا، وتوفير مسارات واضحة لتطوره الوظيفي وتحسين مزاياه وفق مهاراته وإنتاجيته. كما يجب أن نرسخ لدى الأجيال القادمة أن المهنة الفنية خيار مهني واعد يستحق الاعتزاز.
تحديات الجمعية وطموحاتها
15. ما أبرز التحديات التي تواجه جمعية إجادة اليوم؟ هل هي التمويل، أم استقطاب الكفاءات، أم إقناع الشركات بأهمية الشراكة مع القطاع غير الربحي؟
من التحديات التي تواجه الجمعيات المتخصصة عمومًا تحقيق الاستدامة المالية، واستقطاب الخبرات والمتطوعين، وبناء الشراكات الفاعلة، وتحويل المبادرات إلى برامج مستمرة قابلة لقياس الأثر. والنجاح يتطلب تخطيطًا مؤسسيًا واضحًا وتعاونًا حقيقيًا مع القطاعين العام والخاص.
16. الجمعية تحمل اسم «الجمعية السعودية للفنيين»، لكن حضورها الأبرز في الجبيل؛ هل لديكم خطة للتوسع إلى مناطق المملكة، أم أن الأولوية لتعميق أثر الجمعية في المنطقة الشرقية؟
الاسم والطموح يعكسان اهتمامًا بالفنيين على مستوى المملكة، لكن التوسع الناجح ينبغي أن يقوم على جاهزية البرامج والموارد والشراكات. والأهم بالنسبة لنا أن يكون للجمعية أثر حقيقي ومستدام، سواء في الجبيل أو في أي منطقة يمكن أن تصل إليها خدماتها مستقبلًا.

17. لو أتيحت لكم فرصة اتخاذ قرار واحد يسهم في تحسين مستقبل الفنيين السعوديين، فما القرار الذي ستتخذونه؟ وما الرسالة التي توجهونها إلى الشركات الصناعية والشباب المقبلين على سوق العمل؟
سأركز على بناء مسار مهني متكامل للفني السعودي، يبدأ من التأهيل والتدريب العملي، ويمتد إلى التوظيف والتطوير والترقي المهني. فالشاب يحتاج إلى أن يرى مستقبلًا واضحًا أمامه، وأن يدرك أن اختياره للمجال الفني يمكن أن يقوده إلى النجاح والاستقرار والتميز.
ورسالتي للشركات أن الاستثمار في الكفاءات الوطنية ليس مجرد التزام، بل استثمار في مستقبل الصناعة. أما الشباب فأقول لهم إن الفرص موجودة، لكن الوصول إليها يحتاج إلى التأهيل والمثابرة والاستعداد المستمر للتعلم.
الجانب الإنساني
أتمنى أن أرى أثرًا مستدامًا يسهم في تغيير حياة الشباب نحو الأفضل، وأن تصبح المهن الفنية خيارًا جاذبًا يحظى بالتقدير والثقة. فالقيمة الحقيقية لأي تجربة قيادية ليست في عدد المناصب التي شغلها الإنسان، بل فيما يتركه من أثر نافع يستمر بعده.



