الكتاب
الثقافة و العلم من أولاً؟ … بقلم | جابر حريصي

بقلم | جابر حريصي
لم يعد التكامل بين الثقافة والعلم خيارًا تكميليًا، بل أصبح ضرورة لصناعة إنسانٍ قادر على الإبداع وتحقيق التحول الوطني الذي تقوده رؤية السعودية 2030. فالمشروعات الكبرى، والتحولات الاقتصادية، والانفتاح الثقافي الذي نعيشه اليوم، تحتاج إلى متخصصين لا يملكون المعرفة التقنية فقط، بل يحملون وعيًا ثقافيًا يعمّق أثر هذا التخصص في المجتمع.
فـالمعلم المثقف ليس ناقلًا للمعلومة فحسب، بل هو مربٍّ يصنع القيم، ويربط الدرس بالحياة، ويغرس في طلابه مهارات التفكير والحوار والانتماء. المعلم الذي يمتلك رصيدًا ثقافيًا متنوعًا يستطيع أن يحوّل الحصة الدراسية إلى مساحة إلهام، وأن يبني جيلًا واعيًا قادرًا على الإبداع لا الحفظ فقط.
الأب المثقف دوره في قيادة الاسرة بوعي ثقافي وعلمي وإنساني
حين يكون الأب مثقفًا:
.تتحول الأسرة إلى بيئة حوار وأمان نفسي.
. ينشأ الأبناء على الاتزان والقدرة على اتخاذ القرار.
. تقل الصراعات ويزيد الاستقرار.
وهنا يتحقق أحد أهم أهداف الرؤية في بناء مجتمع حيوي، لأن الأسرة الواعية هي اللبنة الأولى لأي نهضة
والسفير المثقف يجمع بين المعرفة السياسية والاقتصادية وبين الفهم العميق لثقافة وطنه وثقافات العالم، فيصبح أكثر قدرة على تمثيل بلده، وبناء جسور التواصل الحضاري، وتقديم صورة مشرقة عن مجتمعه.
أما الطبيب المثقف فهو الذي لا ينظر إلى المريض كحالةٍ سريرية فحسب، بل كإنسان له ظروفه النفسية والاجتماعية. ثقافته تجعله أكثر رحمةً، وأفضل تواصلًا، وأعمق فهمًا لدوره الإنساني قبل المهني.
والمهندس المثقف حين تتحول الخرسانة إلى هوية
المهندس في صورته التقليدية يحسب المساحات والأحمال ويصمم الهياكل، لكن المهندس المثقف يتجاوز ذلك ليطرح سؤالًا أعمق.
كيف يخدم هذا المشروع الإنسان والمكان والهوية؟
فالمهندس الذي يمتلك وعيًا بالتاريخ والتراث والبيئة
•يصمم مباني تعكس روح المجتمع لا مجرد أشكال عالمية مكررة.
•يراعي جودة الحياة ومساحات التفاعل الإنساني.
•يوازن بين الحداثة والاستدامة البيئية.
ولهذا نرى اليوم مشاريع عمرانية وسياحية في المملكة تمزج بين الطابع العصري والعمق الثقافي، لتصبح وجهاتٍ عالمية تحمل شخصية المكان لا مجرد منشآت صامتة.
هنا تتحول الهندسة من مهنة تقنية إلى رسالة حضارية.
الإعلامي المثقف صانع الوعي لا ناقل الخبر
الإعلام في عصر السرعة لم يعد مجرد نقل معلومة، بل أصبح تشكيلًا للرأي العام وبناءً للوعي.
والإعلامي الذي يجمع بين الثقافة والعلم:
•يفهم أبعاد الخبر السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
•يختار المصطلح بدقة ووعي بالهوية.
•يقدم محتوى يثري المجتمع بدل أن يستهلك انتباهه فقط.
الإعلامي المثقف يدرك أن الكلمة قد تصنع صورة وطن، وقد تغيّر اتجاه مجتمع، ولذلك يتعامل مع رسالته بمسؤولية معرفية وثقافية. وفي زمن التحول الرقمي، يصبح هذا النموذج ضرورة لحماية الوعي من السطحية والتضليل.
رائد الأعمال المثقف الاستثمار الذي يصنع قيمة
لم تعد ريادة الأعمال مجرد مشروع ربحي، بل أصبحت مساهمة في بناء الاقتصاد والمجتمع. ورائد الأعمال المثقف:
•يقرأ احتياجات المجتمع قبل أن يطرح منتجه.
•يحترم الهوية المحلية ويحوّلها إلى فرصة استثمارية.
•يدرك البعد الاجتماعي لمشروعه فيوفر وظائف ويصنع أثرًا مستدامًا.
هذا النموذج من الريادة هو ما نراه في المشاريع التي تحوّل التراث إلى منتجات عصرية، والثقافة إلى صناعة، والتجربة المحلية إلى علامة تنافس عالميًا. وهنا يتحقق هدف الرؤية في تنويع الاقتصاد وبناء قطاع خاص فعال .
ولعل الجدل الذي أثير مؤخرًا حول استخدام مسميات أجنبية مثل “الزل استريت فود” مثالٌ واضح على أهمية هذا التكامل. فالقضية لم تكن رفضًا للتطوير، بل كانت دعوة لطرح بدائل تعبّر عن الهوية دون أن تفقد المشروع حداثته وتسويقه العالمي.
المهندس المثقف سيصمم المكان بروح محلية جذابة،
والإعلامي المثقف سيقدم المصطلح بلغة تعكس الانتماء،
ورائد الأعمال المثقف سيحوّل الاسم والمنتج إلى تجربة سعودية أصيلة بمعايير عالمية.
الخلاصة
حين يلتقي العلم بالثقافة، تتحول المهنة إلى مشروع وطني، ويتحوّل التخصص إلى أداة بناء للإنسان والمكان. وهذا هو جوهر التحول الذي نعيشه اليوم.
تنمية لا تصنع اقتصادًا فقط، بل تصنع وعيًا وهويةً ومستقبلًا.


