الكتاب

السعودية … الحضن الرحب في السلم وفي الأزمات (ما بين الحرب ومسلسل الغميضة) .. بقلم | مشعل العوران

جيل اليوم – مشعل العوران

في خضمّ التوترات الأمنية التي تشهدها منطقة الخليج العربي وما رافقها من اضطرابات في حركة الطيران في بعض دول المنطقة، برز موقف إنساني للمملكة العربية السعودية يعكس عمق دورها الإقليمي.

فقد استضافت المسافرين العالقين في مطاراتها بعد توقف بعض الرحلات، ووفّرت لهم السكن والمأكل وكل ما يحتاجه المسافر الذي تقطعت به السبل.

كما جرى تحويل مطار القيصومة إلى نقطة استقبال لرحلات شركة طيران الجزيرة الكويتي ، في صورة من صور التكافل الخليجي والتضامن بين الأشقاء.

هذه المواقف ليست غريبة على المملكة، بل تأتي امتداداً لنهجٍ اعتادت عليه في مدّ يد العون للأشقاء والوقوف إلى جانب الإنسان في أوقات الشدة. غير أن صورة الاحتضان هذه لا تقتصر على الجانب الإنساني في الأزمات، بل تمتد أيضاً إلى احتضان الثقافة والفن والإبداع في كل وقت .

فقبل أشهر من هذه الأحداث، كانت مدينة الأحساء شاهدة على تجربة فنية لافتة أثناء تصوير المسلسل الكويتي «الغميضة»، الذي يعُرض خلال ليالي شهر رمضان المبارك بالتزامن مع الوضع الراهن وحقق انتشاراً واسعاً وقبولاً كبيراً لدى الجمهور.

وخلال زيارتي لموقع التصوير داخل المعهد الصناعي الثانوي الأول بالأحساء، دار بيني وبين مدير المعهد الأستاذ إبراهيم النويصر حديث ثري كشف جانباً مهماً من هذه التجربة.

فقد أوضح النويصر أن المعهد لم يكتفِ باستضافة واحتضان العمل وموقع التصوير فحسب، بل عمل على تهيئة بيئة متكاملة لطاقم العمل، أتاحت لهم حرية الحركة واستثمار مرافق المعهد في تنفيذ المشاهد المختلفة. وقد تمكن فريق العمل من استخدام أكثر من 21 موقعاً داخل المعهد لتصوير مشاهد المسلسل بكل اريحية وخصوصية تامه ، وهو ما منح العمل تنوعاً بصرياً وأسهم في ظهوره بالصورة التي لاقت إعجاب المشاهدين.

كما تحوّل موقع التصوير إلى مساحة ثقافية مفتوحة، حيث نظم المعهد بالتعاون مع نادي السينما بالأحساء وتحت مظلة جمعية الثقافة والفنون بالأحساء فعالية رمضانية بعنوان «ضي القمر» داخل موقع التصوير نفسه. وشهدت الفعالية حضور عدد من المهتمين بالفن والسينما وصناعة المحتوى، إضافة إلى أنشطة تراثية أعادت إحياء أجواء الحارة الشعبية التي بُنيت لتصوير المسلسل.

وأشار النويصر إلى أن هذه المبادرات تأتي في إطار تعزيز الشراكة المجتمعية وإبراز دور التدريب التقني والمهني في دعم المجالات الإبداعية، مبيناً أن التجربة منحت المتدربين فرصة الاطلاع على تطبيقات عملية لمهاراتهم المهنية، مثل النجارة والحدادة والكهرباء، من خلال المشاركة في إعداد الديكورات والمجسمات التي تحاكي الحقب الزمنية المختلفة.

وهنا يتجلى المعنى الأعمق للصورة: ففي الوقت الذي تحتضن فيه المملكة الفن والإبداع وتفتح مؤسساتها التعليمية لدعم الإنتاج الثقافي، فإنها في اللحظة ذاتها تبقى سنداً إنسانياً لكل من يحتاج إليها في أوقات الأزمات.

إنها صورة وطن يتسع للجميع، وطن يفتح أبوابه للفنان وهو يصنع مشهداً إبداعياً، ويفتح ارضه وقلبه للمسافر حين تضيق به الطرق.

هكذا تبقى السعودية، في السلم كما في الشدائد، حضناً رحبا للإنسان والابداع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى