*المنسِيّون* .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي
في كل بيئة عمل، تبرز فئة مخلصة تركت بصمات لا تخطئها العين .. أشخاص بذلوا من أرواحهم وجهدهم ما جعل أسماءهم تقترن بالنجاح.
كانوا يوماً روح المكان ومحرك إنجازه، وواضعي قواعد انطلاقه.. حتى فرضت عليهم سُنّة الحياة الرحيل، سواء بالتقاعد أو الانتقال او التحول الى اعمال تخصهم .. لكن المحزن ليس الرحيل بذاته، بل ما يليه من طيٍّ سريع للسنوات، وكأن تلك الجهود لم تكن، حيث تُمحى آثارهم من الذاكرة الجماعية للمكان مع قدوم أجيال جديدة لم تعاصر عطاءهم.. ومكان لم يوثق انجازاتهم، وتتجلى قمة المرارة حين يعود أحدهم إلى صرحٍ أفنى فيه عمره، ومنحه كل فكره .. ربما لزيارة عابرة أو لقضاء حاجة إدارية او شخصية ملحة ، فيجد نفسه غريباً في بيته القديم .. فالوجوه الجديدة لا تعرفه، والأروقة التي حفظت خطواته لا تتذكره .. وتزداد القسوة حين يرى إنجازاته تُنسب لغيره، أو تُقدم كأفكار وكأنها وليدة اليوم دون أدنى إشارة لمن وضع لبنتها الأولى..هنا يتحول الألم من نسيان عابر إلى جحود ونكران وقد يرتقي الى ان تكون سرقة علنية للجهود.
وبرغم ذلك تظل الحقيقة الراسخة تتمثل في أن الإنجاز الحقيقي لا يندثر وإن تجوهل .. فكل مؤسسة ناجحة اليوم هي امتداد لبناء وضعه السابقون، وأثرهم سيظل محفور في صلب المكان وإن سقطت أسماؤهم من اللوحات .. على إن حفظ “ذاكرة العطاء” إن وجد .. ليس مجرد لفتة أخلاقية فحسب ، بل هو ثقافة وفاء ضرورية لاستمرار النجاح فالمؤسسة التي تجحد ماضيها، تفقد بوصلة مستقبلها ، والمكان الذي يتذكر من صنعوا تاريخه، هو بالقطع المكان الأقدر على صناعة مستقبله.
*ودمتم*


