بين ظلال السيف وأعتاب النبوة: تجربة الإدراك في مرونة الزمن .. بقلم | نبيلة السهلي

بقلم | نبيلة السهلي
تُعدّ الأحلام والمنامات من أكثر التجارب الإنسانية غموضًا وإثارةً للتأمل؛ ففيها قد يتلاشى، ولو مؤقتًا، الخط الفاصل بين الماضي والحاضر، وتتجسد المشاهد في الوعي بصورةٍ شديدة الوضوح، حتى يشعر صاحب الرؤيا أنه لم يكن يحلم، وإنما كان يعيش تجربةً كاملةً بكل تفاصيلها ومشاعرها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإنسان انتقل بجسده عبر الزمن أو عاد فعليًا إلى الماضي، وإنما قد يكون الوعي أثناء النوم قادرًا على بناء تجربة شديدة الواقعية، تتداخل فيها المعرفة والذاكرة والمشاعر والرموز في مشهد واحد.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الرؤيا بوصفها تجربةً وجدانيةً تستحق التأمل في رموزها ودلالاتها النفسية والروحية.
نص الرؤيا
«رأيتُ أنني في زمن النبوة، تحديدًا في لحظة إعلان وفاة النبي ﷺ. كنتُ أدخل المسجد النبوي الشريف، ولكن ليس بصورته العمرانية الحالية، بل بهيئته الأولى، المبنية من سعف النخل، وأرضيته من التراب والحصى الصغير.
كنتُ أمشي وأجرّ سيفي على الأرض، فيخطّ خلفي أثرًا واضحًا، بينما كانت فجيعة خبر وفاة النبي ﷺ تهز أركان فؤادي، وتشق صدري أسىً وحزنًا.
رأيت أبا بكر وعمر، وكان الحال في هرج وركضٍ هنا وهناك، بينما كان عليٌّ رضي الله عنه مثقلاً بالفاجعة.
وفي داخلي كنتُ معترضةً على اجتماع السقيفة، وأرى أن ذلك ليس وقت التنافس على الخلافة، بل ينبغي أولًا الالتفات إلى رسول الله ﷺ وما يُفعل به في ذلك الموقف الجلل.
وفوق حزني وفجيعتي، كنتُ أميل إلى عليّ رضي الله عنه، وأفكر فيما يمكن فعله في تلك اللحظة العصيبة، وكان في داخلي انحياز وغضب مما يجري».
أولًا: المسجد النبوي والعودة إلى لحظة التأسيس
يبدأ المشهد بدخول المسجد النبوي في هيئته الأولى؛ سعف النخل، والتراب، والحصى.
وهذه التفاصيل البسيطة تحمل قيمة رمزية لافتة؛ فالمشهد لا يقدم المكان في صورته العمرانية المعروفة اليوم، وإنما يعيده إلى بداياته الأولى، حيث البساطة والتجرد من مظاهر الفخامة، وكأن الوعي يحاول أن يعود إلى نقطة التأسيس، بعيدًا عن كل ما تراكم على المكان والحدث من صور وتفاصيل عبر الزمن.
إن العودة إلى البدايات هنا قد ترمز إلى الرغبة في رؤية الحدث في صورته الأولى، قبل أن تتداخل معه القراءات والتفسيرات اللاحقة.
ثانيًا: السيف وأثره على الأرض
يظهر السيف في الرؤيا بوصفه واحدًا من أكثر الرموز حضورًا.
فالسيف في الذاكرة الإنسانية يرتبط بالقوة والحماية والمواجهة والاستعداد للدفاع عن قيمة يراها الإنسان عظيمة.
لكن اللافت أن السيف لم يكن مرفوعًا، وإنما كان يُجرّ على الأرض، تاركًا أثرًا خلف صاحبه.
وهنا يمكن قراءة الرمز بطريقة مختلفة؛ فالسيف لا يظهر بوصفه أداةً للقتال، وإنما بوصفه ثقلًا ومسؤوليةً وموقفًا حاسمًا. أما الأثر الذي يتركه على التراب، فقد يوحي بأن بعض المواقف لا تمرّ من حياة الإنسان دون أن تترك وراءها علامةً لا تُمحى بسهولة.
وكأن الرؤيا تقول إن الإنسان قد يحمل في داخله موقفًا ثقيلاً، يمشي به، ويترك أثره معه أينما ذهب.
ثالثًا: فجيعة الرحيل والعبور الشعوري
تحتل مشاعر الحزن والفجيعة المساحة الأكبر من الرؤيا.
فالمشهد لا يظهر بوصفه معلومة تاريخية باردة، وإنما بوصفه حدثًا يُعاش شعوريًا بكل ثقله.
الهرج، والركض، والحزن، وثقل الفاجعة، كلها عناصر جعلت الوعي داخل المنام يتعامل مع اللحظة كما لو كانت حاضرة أمامه.
وهنا تظهر إحدى الخصائص اللافتة للأحلام؛ فقد يعيش الإنسان خلال المنام مشاعر قوية جدًا تجاه أشخاص وأحداث وأماكن تنتمي إلى زمن بعيد، رغم أنه لم يعشها في الواقع.
فالزمن في التجربة الحلمية لا يبدو دائمًا خطًا مستقيمًا كما نعرفه في حياتنا اليومية؛ قد تستدعي الذاكرة مشهدًا من الماضي، ثم تمنحه في الحلم حضورًا آنيًا، فيشعر الإنسان بأنه موجود داخل الحدث لا خارجه.
رابعًا: الانحياز لعليّ رضي الله عنه بوصفه موقفًا وجدانيًا
من أبرز عناصر الرؤيا ذلك الميل الواضح إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والاعتراض الداخلي على اجتماع السقيفة في تلك اللحظة.
ومن المهم هنا التمييز بين قراءة الرؤيا بوصفها تجربة وجدانية وبين تحويلها إلى حكم تاريخي أو ديني.
فالرؤيا تعبّر، قبل كل شيء، عن موقف الوعي داخل الحلم؛ موقف يرى أن الأولوية في تلك اللحظة ينبغي أن تكون للفاجعة نفسها، ولما يتعلق بالنبي ﷺ، قبل الدخول في أي تنافس أو اختلاف حول ما بعدها.
وهذا يجعل حضور علي رضي الله عنه في الرؤيا رمزًا لمعنى النصرة والثبات والوقوف إلى جانب من يشعر صاحب الرؤيا بأنه أولى بالوقوف معه في تلك اللحظة.
إنها قراءة لمشاعر الرائي داخل المنام، وليست بالضرورة تفسيرًا لحقيقة تاريخية تتجاوز الرؤيا نفسها.
خامسًا: هل تحرّك الجسد عبر الزمن؟
هنا يبرز السؤال الأكثر إثارة:
هل انتقل الجسد بالفعل إلى ذلك الزمن؟
من المنظور العلمي، لا توجد في هذه التجربة وحدها أدلة تثبت انتقال الجسد أو حدوث عبور فعلي عبر الزمن.
لكن على المستوى الشعوري، يمكن للإنسان أثناء النوم أن يعيش تجربة زمنية مختلفة؛ فقد يستحضر الوعي أحداثًا تاريخية وأماكن قديمة وشخصيات لم يعاصرها، ثم يعيد تركيبها في مشهد متكامل يبدو واقعيًا للغاية.
ومن هنا يمكن استخدام تعبير «مرونة الزمن في الإدراك» بوصفه تعبيرًا أدبيًا وتأمليًا، لا مصطلحًا علميًا.
فالزمن الخارجي يظل في مساره، بينما يستطيع الوعي الداخلي أن يعيد ترتيب الماضي والحاضر في مساحة الحلم، فيجعل البعيد قريبًا، والغائب حاضرًا، والتاريخ تجربةً شخصيةً تُعاش بالمشاعر لا بالوقائع المادية.
سادسًا: بين الرؤيا والتفسير
ربما تكون قيمة مثل هذه التجارب في الأسئلة التي تتركها خلفها أكثر من الإجابات التي تقدمها.
فالرؤيا لا تمنحنا بالضرورة تفسيرًا قاطعًا للماضي، لكنها قد تكشف شيئًا عن الحاضر؛ عن مشاعر الإنسان، وقيمه، وما يراه مهمًا، وما يثير غضبه وحزنه، وما يبحث عنه من معنى.
ولهذا ينبغي التعامل مع الأحلام والرؤى بحذرٍ واحترام، دون تحويلها إلى حقائق علمية أو أحكام تاريخية قاطعة.
خاتمة: حين يصبح الماضي مرآةً للروح
إن هذه التجربة تتجاوز كونها مجرد مشاهد عابرة أثناء النوم؛ فهي رحلة وجدانية عميقة داخل الوعي، اجتمعت فيها صورة المكان، ورمز السيف، وفجيعة الرحيل، وموقف الانحياز والنصرة، لتصنع تجربةً شديدة الكثافة.
وربما لا يكون السؤال الأهم: هل عاد الوعي فعلًا إلى الماضي؟
بل: لماذا اختار الوعي هذه اللحظة تحديدًا؟ ولماذا اختار هذا المكان، وهذا السيف، وهذه الشخصيات، وهذه المشاعر؟
فالأحلام قد لا تعيد إلينا الماضي كما وقع، لكنها أحيانًا تعيد إلينا شيئًا من ذواتنا ونحن ننظر إلى ذلك الماضي.
وفي المسافة الغامضة بين النوم واليقظة، وبين التاريخ والذاكرة، وبين المكان كما كان والمكان كما نراه اليوم، قد يجد الإنسان نفسه أمام تجربة تذكّره بأن الوعي الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في حدود المكان والزمان وحدهما.
وربما كان أجمل ما في هذه الرحلة أنها لا تدّعي امتلاك الإجابة، بقدر ما تفتح بابًا للتأمل في العلاقة بين الزمن والذاكرة والروح والإدراك.


