حين تحتضن المقاهي الفن .. بقلم | بدر شاكر الشيخ

بقلم | بدر شاكر الشيخ
طرأ على المقاهي في السنوات الأخيرة تحولٌ لافت في طبيعة دورها، فلم تعد مجرد أماكن لاحتساء القهوة وقضاء أوقات الفراغ، بل أصبحت مساحات تحتضن الفن وتفتح أبوابها أمام المواهب الشابة في العزف والغناء. ففي أجوائها تتعالى أنغام الموسيقى والأصوات الغنائية وسط حضور من الرواد، يجمعون بين الاستمتاع بالفن واحتساء القهوة وتناول الأطعمة وتبادل الأحاديث، لتتشكل بذلك تجربة تجمع بين الترفيه والفن والتواصل الاجتماعي. غير أن هذا الحضور المتزايد للفنون في المقاهي يطرح تساؤلًا مهمًا: هل أصبحت المقاهي فعلًا منصات حقيقية لاكتشاف المواهب ودعمها، أم أن الفن تحول فيها إلى وسيلة لجذب الجمهور وزيادة الإقبال؟
من الجانب الإيجابي، أسهمت المقاهي في منح الفنانين الشباب فرصة ثمينة للظهور أمام الجمهور، خصوصًا أولئك الذين لا يجدون طريقًا سهلًا إلى المسارح والفعاليات الكبرى. فالعروض الحية تمنح الموهبة مساحة للتجربة، وتساعد الفنان على تطوير أدائه من خلال الاحتكاك المباشر بالجمهور وتلقي ردود أفعاله. كما أن هذه التجربة قد تفتح أمام بعض المواهب أبوابًا جديدة للتعاون والمشاركة في مناسبات وفعاليات فنية مختلفة.
ولا يقتصر دور المقاهي على تقديم العروض الفنية فحسب، بل إنها أصبحت في بعض الحالات ملتقى يجمع الفنانين والمهتمين بالفن، ويخلق حالة من التواصل بين المبدع والمتلقي. وهذا النوع من التواصل له أهمية خاصة، لأن الفن لا يكتمل بمجرد تقديمه، وإنما يحتاج إلى جمهور يتفاعل معه ويمنحه الاهتمام والتقدير. ومن هنا يمكن للمقهى أن يؤدي دورًا ثقافيًا يتجاوز الجانب التجاري والترفيهي.
لكن الصورة ليست مثالية دائمًا، فحين يصبح الفن مجرد خلفية صوتية للأحاديث والضوضاء، يفقد جزءًا من قيمته وتأثيره. وقد يجد الفنان نفسه يؤدي أمام جمهور منشغل بالهواتف والأحاديث والطعام، مما يقلل من التركيز على العرض ويجعل الموهبة في بعض الأحيان مجرد عنصر من عناصر الديكور الترفيهي للمكان. كما أن التركيز على جذب الزبائن قد يدفع بعض المقاهي إلى تقديم عروض لا تراعي المستوى الفني المطلوب، مما يتسبب بوجود ضعف في التنظيم والاهتمام بجودة الأداء واختيار المواهب.
وهنا تبرز مسؤولية المقاهي تجاه الفن والمواهب، فدعم الفنان لا يكون بمجرد منحه منصة للظهور، وإنما من خلال توفير بيئة مناسبة تحترم أداءه، وتنظيم العروض بصورة احترافية، والاهتمام بجودة الصوت والإضاءة، ومنح المواهب الشابة فرصًا عادلة لإثبات قدراتها. وفي المقابل، تقع على الفنان مسؤولية تطوير أدواته والحرص على تقديم محتوى يليق بالجمهور ويحافظ على قيمة الفن.
إن المقاهي قادرة على أن تكون أكثر من مجرد أماكن للجلوس وتناول المشروبات، فهي تستطيع أن تصبح منصات ثقافية وفنية حقيقية إذا أحسنت استثمار هذا الدور. وبين الفن بوصفه إبداعًا، والمقهى بوصفه مشروعًا تجاريًا، تبقى المعادلة بحاجة إلى توازن يحفظ للفن قيمته، ويحقق للمكان نجاحه، ويمنح المواهب فرصة حقيقية للنمو والانتشار.
وفي النهاية، فإن تجربة المقاهي مع الفنون تمثل ظاهرة تستحق التأمل، لأنها تكشف عن تغير في طريقة حضور الفن داخل المجتمع. وإذا استطاعت هذه المقاهي أن تجعل من العروض الفنية مشروعًا لدعم المواهب لا مجرد وسيلة للترفيه وجذب الزبائن، فإنها ستسهم في صناعة مشهد فني أكثر حيوية، وستمنح الكثير من الأصوات والمواهب الشابة فرصة طال انتظارها لكي تُسمع وتُرى وتجد طريقها إلى الجمهور.



كل الشكر أستاذ بدر على تسليط الضوء على الجانب الفني الحديث من أنشطة المقاهي، لكن فلتسمح لي في طرح اختلاف بسيط من وجهة نظري، وهي عتبك على عدم الانتباه من جمهور المقاهي للعازف وأنشغالهم، فأني أرى أن هذا السلوك مبرر لأن هدف رواد المقهى مختلف عنه لرواد الحفلة والمسرح مثلًا ففي المسرح هدف الحاضر الاستماع بالدرجة الأولى أما المقهى فإن الاستماع هدف ثانوي وأقرب بأن يكون خلفية لدردشات ومحادثات لروادها ، كل التوفيق ولاجف قلمك عزيزي
اتفق معك جملة وتفصيلا
للمقاهي دور كبير في تطوير المواهب واعطائها الثقة
توصيف رائع من فنان خبير ما شاء الله عليك استاذ بدر
كلام جميل اخوي بدر وهذا مايكون هو الواقع اللي يحصل واتمنى يكون بالإيجاب ومفيد للشباب اللي يملكون مواهب ولا يجدون فرصة
الله يعطيك العافية أبو شاكر
مقال يستحق التأمل
ما شاء الله ابو شاكر دائما مقالاتك في محلها وملهم
أبدعت وتفننت واخترت واهدفت فيما تقول
فما كتبته هو واقعنا الفني
تسلم الانامل الجميلة فيما طرحت…..
ورسالة لعلها تصل للمهتمين بالمواهب الفنية التي تحارب كل نجاح… مثل بيت الفنانين
أبو شاكر.. شكرا لك
أبدعت وتفننت واخترت واهدفت فيما تقول
فما كتبته هو واقعنا الفني
تسلم الانامل الجميلة فيما طرحت…..
ورسالة لعلها تصل للمهتمين بالمواهب الفنية التي تحارب كل نجاح… مثل بيت الفنانين
أبو شاكر.. شكرا لك
مبدع يا ابا شاكر ماشاء الله عليك وين هاده الابداع ما شفنه من زمان حطيت النقط على الخروف وجبت سلبيات فن المقاهي وايجابيتها في مقال واحد الله يوفقق الى كل خير يا با شاكر
مبدع يا ابا شاكر ماشاء الله عليك وين هاده الابداع ما شفنه من زمان حطيت النقط على الخروف وجبت سلبيات فن المقاهي وايجابيتها في مقال واحد الله يوفقق الى كل خير يا با شاكر
ظاهرة المقاهي الفنية اذا حاز لنا التعبير تعتبر طارئة على محتمعنا بشكلها الحالي ، فلم تعد مكانًا لاحتساء المشروبات الساخنة و الباردة و مكان التقاء الأصدقاء فحسب ، بل أصبحت مكانًا جاذبًا للجمهور المتذوق للفنون و غير المتذوق ، و أيضًا مكان لاكتشاف المواهب الفنية و هذا شيء جيد و ايجابي ، ما يؤخذ عليها ان بعض أصحابها و القائمين عليها لاشأن لهم بالفن من بعيد أو قريب ، يستضيفون الغث و السمين بُغية جذب الزبائن و زيادة دخلهم المالي فقط .. هنا يجب على الجهات المعنية وضع الضوابط و الحدود التي تضمن صلاحية و ملاءمة ما يقدم لكي تكون المقاهي الفنية ثقافة يتوارثها جيل بعد جيل و تسهم في نشر الثقافة و الفن الأصيل لترتقي بذائقة الجمهور
ظاهرة المقاهي الفنية اذا جاز لنا التعبير تعتبر طارئة على مجتمعنا بشكلها الحالي ، فلم تعد مكانًا لاحتساء المشروبات الساخنة و الباردة و مكان التقاء الأصدقاء فحسب ، بل أصبحت مكانًا جاذبًا للجمهور المتذوق للفنون و غير المتذوق ، و أيضًا مكان لاكتشاف المواهب الفنية و هذا شيء جيد و ايجابي ، ما يؤخذ عليها ان بعض أصحابها و القائمين عليها لاشأن لهم بالفن من بعيد أو قريب ، يستضيفون الغث و السمين بُغية جذب الزبائن و زيادة دخلهم المالي فقط .. هنا يجب على الجهات المعنية وضع الضوابط و الحدود التي تضمن صلاحية و ملاءمة ما يقدم لكي تكون المقاهي الفنية ثقافة يتوارثها جيل بعد جيل و تسهم في نشر الثقافة و الفن الأصيل لترتقي بذائقة الجمهور
أعجبتني هذه المقالة كثيرًا؛ فقد تناول الكاتب الموضوع من مختلف جوانبه، واستعرض ما فيه من إيجابيات وسلبيات بكل وضوح وموضوعية. والأجمل من ذلك أن طرحه عكس رأيه ورؤيته للموضوع بصورة واضحة، مما جعل المقالة متكاملة ومثيرة للاهتمام، وتدعو القارئ إلى التأمل وإبداء رأيه
أجد أن المقال يلمس واقعًا نعيشه يوميًا في مدننا، ويجعلني أُعيد النظر في تلك الجلسات التي نقضيها في المقاهي؛ فلم تعد تلك الأماكن مجرد محطات عابرة لشرب القهوة، بل تحولت إلى فضاءات اجتماعية وثقافية تعيد تشكيل علاقتنا بالفن والمجتمع.
مقال أكثر من رائع ولك الشكر الجزيل …
العادة أخي بدر، تكتب من واقع خبرة، وتلامس الواقع بحس فني وإنساني وأخلاقي راقٍ… وكيف لا، وأنت فنان سليل أسرة فنية عريقة، تربّى الفن في تفاصيلها، وأصبح جزءاً من وجدانها.
المقاهي قديماً… والمقاهي اليوم.
لكل زمن مقاهيه، ولكل مقهى رواده ومحبوه.
كانت المقاهي قديماً مساحة للهدوء والتأمل، للقراءة والكتابة، وللحديث الجميل واللقاء بالأصدقاء. وكان حضور الفن فيها جزءاً من جمال المشهد؛ عازف عود يعزف بهدوء، أو صوت فني يضيف للمكان روحاً، دون أن يطغى على هدوئه أو يشتت ذهن من جاء ليقرأ أو يكتب أو يبدع.
وكانت تلك الأجواء، ولا تزال في كثير من المقاهي حول العالم، ملاذاً لمن يبحث عن السكينة والإبداع، وربما تناسب ذائقة وأعماراً واهتمامات معينة.
أما المقاهي اليوم، فقد شهدت تحولاً كبيراً، وتنوعت فيها التجارب والأذواق، وأصبحت بعضها أكثر صخباً وحيوية، بما يتناسب مع جيل جديد له اهتماماته وطريقته المختلفة في الاستمتاع بوقته.
وهنا لا أعتقد أن المسألة مسألة قديم أفضل من جديد، أو جديد أفضل من قديم… بقدر ما هي اختلاف في الذائقة وتنوع في التجربة.
وربما ما فاتتنا فرصته هو أن نعيش تلك النقلة النوعية في الانفتاح الجميل، وأن نمنح الفن والفنان مساحات أكبر داخل هذا المشهد المتغير، بحيث يكون التطور امتداداً للجمال، لا قطيعة معه.
وفي المحصلة، فإن ما نشهده اليوم من مقاهٍ وفعاليات ومناسبات في مختلف أرجاء وطننا الغالي، يمثل فرصاً ثمينة للفنانين للظهور، والتواصل مع الجمهور، وتقديم إبداعاتهم، وصناعة حضور فني يليق بالحراك الثقافي الجميل الذي نعيشه.
فالفن لا يبحث فقط عن منصة…
بل يبحث عن مساحة تُقدّر حضوره.
وحين تتسع المساحات للفنان، تتسع معها مساحة الجمال في حياتنا.
تحياتي
رائع يا بوشاكر، طرح جميل ومهم. لكن أعتقد أن ليس جميع رواد المقاهي مهتمين بالعروض الفنية؛ فالبعض قد يرى فيها مصدرًا للإزعاج أو الضوضاء. لذلك، لو خُصصت في المقاهي زاوية للعروض الفنية، وأخرى هادئة لغير المهتمين بالفن، فسيكون بإمكان كل فئة الاستمتاع بوقتها وراحتها، دون أن يؤثر أحدهما على الآخر .