الكتاب

رمضانيات / ٤ والأخيرة .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي

في رمضان، يكتشف بعض الموظفين أن الدوام تجربة روحية عميقة ورحلة تأمل تبدأ عند جهاز البصمة أو إثبات الموقع وتنتهي عند أول كوب قهوة بعد الإفطار.

فمع أول ساعة تتسع مفردات الأعذار كما تتسع المائدة: “انخفاض سكر”، “ارتفاع سكر”، “تقلبات في الجو العام”، “فحوصات كانت مؤجلة”، وكأن الجسد تحوّل إلى نشرة طبية متحركة.

الدقائق داخل المكتب تُقاس بمقياس مختلف ، فالإنجاز الواحد يحتاج استراحة تأمل، والبريد الإلكتروني يستحق قراءة وجدانية، أما المهمة العاجلة فتُرحَّل برفقٍ إنساني إلى “بعد الإفطار إن شاء الله”.

في الاجتماعات، يظهر فن جديد يمكن توصيفه بفن الحضور الصامت .. رأسٌ يُومئ ببطء حكيم، وعينان تنظران إلى الشاشة بنظرة من يفهم دون أن يتورط في الفهم .. أما الممرات فتشهد حركة نشطة لخبراء “المشاوير القصيرة” ما بين مهمة سريعة لإحضار ورقة، وأخرى لتبديل مكان الجلوس، وثالثة للتأكد من أن الهواء ما زال يمر من النافذة .. كلها أعمال دقيقة لا تحتمل التأجيل ، والطريف أن روح التخفف الرمضاني لا تقتصر على الصائمين فقط، بل تمتد أحيانًا إلى بعض الزملاء غير المسلمين أيضًا فتجد (البعض) يراقب المشهد بإعجاب محبب ، ثم يقرر—بدافع التضامن الوظيفي—أن يعيش التجربة كاملة .. فيخفض الإيقاع قليلًا، وتتأجل بعض المهام احتراما للأجواء العامة، ويقول بلهجة متفهمة : “ افتر عيد” كونه أدرك سريعًا أن الثقافة الرمضانية في المكاتب تقول عندما يهدأ الجميع فمن الحكمة ألا تكون أنت الأكثر نشاطًا !!

وحين تقترب الساعة الأخيرة ، تتوحّد القلوب فجأة فتُنجَز المهام المتبقية بسرعة مفاجئة، وتظهر قدرات تنظيمية خارقة، كأن الإنتاجية كانت صائمة معنا طوال اليوم ثم أفطرت قبلنا بدقائق ولعل التحدث عن الإتقان والجودة في هكذا حالة يعد من نافلة القول.

رمضان يا قوم لا يغيّر العمل بقدر ما يكشف مهاراتنا الخفية في التكيّف معه.. فمنّا من يجتهد لينجز ، ومنّا من يجتهد في شرح سبب عدم اجتهاده، وبين الاثنين كوميديا إنسانية لا تحتاج إلى كاتب، فالمشهد يكتب نفسه كل صباح.

المهم أننا في نهاية الدوام، لا نكتشف كم عملنا بل كم أبدعنا في تأجيل ما يمكن عمله.. على أن رمضان واقعا لا يقلّل الإنتاجية كما نظن، هو فقط يكشف الفرق الدقيق بين الجهد ومهارات التملّص منه.

وتقبّل الله طاعاتكم

كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى