التعليم

في #يوم_التاسيس .. “برج الطوية” شاهد على الملاحم والبطولات التاريخية

جيل اليوم| منيرة التركي .  الجبيل

في كل وطنٍ معلمٌ صامت، لا يتحدث بالكلمات، بل بالثبات والقوة والحضور والظهور ..
وهنا في قلب الجبيل، يقف برج الطوية شاهدًا لا على زمنٍ مضى فحسب، بل على جذورٍ تضرب في عمق التاريخ السعودي، جذورٍ لم تبدأ مع النفط، ولم تتشكل مع الحداثة، بل تأسست يوم كانت الأرض تُبنى بالإيمان قبل الحجارة.

حين نستحضر ذكرى التأسيس، فإننا نعود إلى عام 1727م، إلى لحظة انطلاق الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية؛ لحظةٍ لم تكن مجرد حدثٍ سياسي، بل إعلانًا عن مشروع حضاري يقوم على الأمن، والاستقرار، ووحدة الكلمة. ومنذ تلك اللحظة، لم تكن الأبراج والقلاع مجرد مبانٍ دفاعية، بل كانت رموزًا لفكرة الدولة: الحماية، والسيادة، والانتماء.

وبرج الطوية، ببنيته الطينية المتماسكة، ليس أثرًا معماريًا فحسب؛ إنه نصٌّ تاريخي مكتوب بلغة الأرض. شقوقه ليست تصدعات، بل سطور حكايات. لونه الترابي ليس بهتانًا، بل لون الجغرافيا التي احتضنت رجالًا ونساءً آمنوا بأن الأرض هوية، وأن الحراسة مسؤولية.

المنطقة الشرقية لم تكن هامشًا في التاريخ السعودي، بل كانت بوابة البحر، وممر التجارة، ومسرح التحولات الاقتصادية الكبرى. ومع قيام الدولة السعودية عبر مراحلها الثلاث، ظلت هذه الأرض حاضرة في معادلة البناء: من حماية السواحل، إلى نهضة الصناعة، إلى ريادة الطاقة. وهكذا يمتد الخيط من الطين إلى الفولاذ، ومن البرج إلى المدينة الصناعية، ومن الحراسة التقليدية إلى الأمن الاستراتيجي الحديث.

التأسيس ليس تاريخًا محفوظًا في الكتب، بل هو روحٌ تتجدد في كل جيل. وما تفعله مؤسسات التعليم اليوم في المنطقة الشرقية هو الامتداد الطبيعي لذلك المشروع الأول: بناء الإنسان قبل البنيان. فكما كان البرج يحمي المكان، يحمي التعليم اليوم الهوية، ويحصّن الوعي، ويصنع مواطنًا يدرك أن جذوره أعمق من الحاضر، وأن مستقبله امتدادٌ لأصالةٍ راسخة.

إن التأمل في برج الطوية يمنحنا درسًا فلسفيًا عميقًا:
الدول العظيمة لا تقوم على الصخب، بل على التراكم.
ولا تُبنى باللحظة، بل بالثبات.
ولا تستمر بالقوة وحدها، بل بالقيم.

في يوم التأسيس، لا نحتفل بذكرى عابرة، بل نحتفل بفكرةٍ صمدت، ودولةٍ تعاقبت عليها العصور فازدادت رسوخًا. وبرج الطوية، في سكونه المهيب، يهمس للأجيال:
هنا مرّ الآباء… وهنا ثبتت الخطى… وهنا بدأت الحكاية التي ما زالت تُكتب.

فطوبى لأرضٍ جذورها في التاريخ، وأغصانها في المستقبل.
وطوبى لوطنٍ حين نحتفل بتأسيسه، نحتفل بأنفسنا… وبهويةٍ لا تذوب، ولا تنكسر، ولا تنسى.

ورد وليد الحسين
ورد وليد الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى