كل الطلاب أذكياء… لكن كلٌّ بطريقته الخاصة.. بقلم: د. عمر العدنى

لم يعد الذكاء في الفكر التربوي المعاصر مفهومًا أحاديًا يمكن اختزاله في درجة اختبار أو رقم يُسمّى “معامل الذكاء”. ومع ذلك، لا يزال بعض التربويين وأولياء الأمور يربطون النجاح الأكاديمي المبكر بكون الطالب “ذكيًا”، بينما يُصنَّف غير المتفوقين على أنهم أقل قدرة.
هذا التصور لا يظلم الطلاب فحسب، بل يحرم المجتمعات من طاقات بشرية قد تكون استثنائية لو أُتيحت لها الفرصة المناسبة.
من الذكاء الواحد إلى الذكاءات المتعددة
قدّم عالم النفس الأمريكي هوارد غاردنر تحولًا مهمًا في فهم القدرات البشرية عندما طرح نظرية “الذكاءات المتعددة”، مؤكدًا أن الذكاء ليس بعدًا واحدًا، بل مجموعة مهارات تمكّن الإنسان من حل المشكلات وإنتاج ما له قيمة في المجتمع.
وتشير الأدبيات التربوية إلى أن الذكاء يُفهم بوصفه قدرة معرفية-بيولوجية تساعد الفرد على معالجة نوع معين من المعلومات بفاعلية داخل سياق ثقافي وبيئي محدد، وأن الدماغ يمتلك أنماط معالجة مختلفة يترجم كل منها إلى نوع من الذكاء.
هذه الرؤية تفتح الباب لفهم أعمق للطلاب: فهناك ذكاء لغوي، ومنطقي، وبصري، واجتماعي، وغيرها، ولكل إنسان مزيج خاص منها.
لماذا لا يكفي اختبار IQ؟
الاعتماد المفرط على الاختبارات التقليدية يختزل الإنسان في مهارات لغوية ورياضية غالبًا، بينما تتجاهل هذه المقاييس قدرات أخرى مثل الإبداع، والقيادة، والذكاء الاجتماعي. وقد أثبتت قصص كثيرة أن التفوق الدراسي ليس معيارًا دقيقًا للحكم على الإمكانات المستقبلية؛ إذ تؤكد التجارب أن الأداء التعليمي لا يجب الاعتماد عليه للاستدلال على قدرات الشخص بشكل عام.
بل إن عددًا من الأثرياء ورواد الأعمال حققوا نجاحًا كبيرًا رغم تعثرهم الدراسي، ما يدل على أن الإبداع والإرادة قد تكون عوامل أكثر حسمًا من الدرجات المدرسية. (عندما أخطأت المدارس في الحكم التاريخ مليء بنماذج لأشخاص لم يُنظر إليهم كطلاب متميزين، لكنهم غيّروا العالم لاحقًا.
• توماس إديسون طُرد من المدرسة لأن معلميه اعتقدوا أنه “غبي”، ثم أصبح أحد أعظم المخترعين.
• بيل غيتس وستيف جوبز لم يُكملا تعليمهما الجامعي، ومع ذلك أسّسا شركات أعادت تشكيل الاقتصاد الرقمي.
• وتُظهر الإحصاءات أن نحو ثلث المليارديرات عالميًا لم يحصلوا على شهادات جامعية.
أما ألبرت أينشتاين، فقد تمرّد على التعليم القائم على الحفظ، ولم يكن يميل إلى دراسة ما لا يثير اهتمامه، حتى إن أحد أساتذته صرّح بأن “ سيصبح لا شيء”.
ومع ذلك، علّم نفسه العلوم والهندسة وسبق المنهج الدراسي، قبل أن يصبح أحد أعظم العقول العلمية في التاريخ.)
هذه الأمثلة ليست استثناءات نادرة، بل شواهد على خلل في طريقة تقييمنا للذكاء.
تجربة شخصية: الذكاء الذي تأخر اكتشافه
كثيرون – ومنهم كاتب هذه السطور – لم يكونوا النموذج المثالي للطالب “المتفوق” في المرحلتين الابتدائية والثانوية. لم تكن الدرجات تعكس القدرة الحقيقية، وربما طغت صورة الطالب غير المنضبط أو قليل التركيز على أي مؤشرات أخرى.
لكن عند الوصول إلى الجامعة، حيث تتسع مساحة التفكير والاستقلال، بدأ ذلك الذكاء الكامن في الظهور؛ فالاهتمام بالتخصص، والقدرة على التحليل، والانخراط في البحث العلمي، كلها عوامل كشفت عن إمكانات لم تستطع الاختبارات المدرسية قياسها.
هذه التجربة ليست فردية؛ إنها قصة آلاف الطلاب الذين يحتاجون فقط إلى بيئة تعليمية ترى ما وراء الدرجات.
ماذا يعني هذا للمجتمع السعودي؟
في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030، يصبح الاستثمار في الإنسان أولوية وطنية.
وهذا الاستثمار لا يتحقق عبر تعليم موحّد يقيس الجميع بالمعيار نفسه، بل من خلال نظام يكتشف تنوع المواهب ويغذّيها.
إن الطالب الذي لا يتفوق في الرياضيات قد يكون قائدًا مبدعًا، والذي لا يحب الحفظ ربما يمتلك ذكاءً ابتكاريًا يقود إلى مشروع ريادي. تجاهل هذا التنوع يعني خسارة محتملة لرأس مال بشري ثمين.
نحو ثقافة تربوية أكثر عدلاً
ليس المطلوب إلغاء الاختبارات، بل إعادة وضعها في حجمها الطبيعي بوصفها أداة من أدوات التقييم، لا الحكم النهائي على قدرات الإنسان. كما ينبغي تدريب المعلمين على ملاحظة أنماط الذكاء المختلفة، وتقديم مسارات تعليمية مرنة تراعي الفروق الفردية.
فالمدرسة التي ترى طالبًا واحدًا فقط – هو الطالب المتفوق تقليديًا – تفقد رسالتها الحقيقية. أما المدرسة التي ترى كل طالب بوصفه مشروع نجاح محتمل، فهي التي تبني المستقبل.
الخلاصة
الذكاء ليس قالبًا واحدًا، والنجاح ليس طريقًا مستقيمًا. قد يتأخر اكتشاف بعض العقول، وقد تزدهر أخرى خارج أسوار المدرسة. لكن الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها – تربويًا ومجتمعيًا – هي أن كثيرًا من الطلاب أذكياء… لكن كلٌّ بطريقته الخاصة.
وعندما ندرك ذلك، سننتقل من سؤال: “من هو الأذكى؟”
إلى سؤال أكثر عدلاً وإنسانية: كيف نساعد كل طالب ليُظهر ذكاءه؟
د. عمر العدنى
أ. مساعد-كلية الفيحاء الاهلية
قسم اللغة الانجليزية


