الكتاب

كما كان يفعل أبي…

بقلم | محمد الذبياني 

هناك في الجنوب الغربي لمكة المكرمة تقع قرية صغيرة عرف أهلها بالحب والوفاء
قرية كانت يومًا عامرة بالحياة مليئة بالضحكات والأحاديث وبخطوات من عاشوا فيها بعطاء لا ينقطع

شدني هذا العام مقطع يحكي حالة تلك القرية كيف أصبحت اليوم صامتة تهتف بالحنين لكل ما تركه من أثر خالد
ومع مرور السنوات تزداد الفجوة بين الماضي والحاضر بين أيام العطاء وركام الصمت بين جدران كانت تشع حياة وبيوت أصبحت تئن بلا روح

كان لها يومًا شيخًا إمامًا لمسجدها ومرشدًا لقلب أهلها عاش لأجلهم بكل حب وإخلاص جمعهم حوله بالود والاحترام وترك أثرًا خالدًا في كل زاوية من القرية في كل جمعة وفي كل رمضان
ورغم مرور أكثر من خمسة وثلاثين عامًا على رحيله تظل ذكراه حية تروي قصة عطاء لا يموت وروح لا تغيب

في كل جمعة كان الناس يتجمعون قبل الصلاة وبعدها يتحلقون حول مجلسه المعروف بالعلو ليصبح قلب القرية النابض بالمودة وحيث تُقرب النفوس وتُحل الخلافات ويشعر كل واحد بالأمان والاحترام
وكان رمضان وقت العطاء الحقيقي لم يكن مجرد طعام يُوزع بل فرحة تُعاش مع كل بيت أطيب اللحوم صدقات الأنعام وزكاة الفقراء كل ذلك كان يملأ البيوت سعادة ويجعل البركة حاضرة في كل زاوية

اختاره الله في الثالث من رمضان ١٤١١ هـ ففقدت القرية روحها وأصبح أهلها يتامى بعد أن فارقهم من كان قلبهم وقائدهم وكأن السماء بكت فراقه والأرض اشتاقت لكل ما زرعه من خير

وبما أن قلبه كان ينبض بالحب لهذه القرية وأهلها كان من الطبيعي أن يُوارى جسده الطاهر في مقبرتها بين أهلها ومسجدها قريبًا من الأرض التي أحب وعشق أهلها

ومع مرور كل هذه السنوات إلا أن كل رمضان يحيي ذكراه وكأنه بيننا اليوم يشاركنا فرحة الشهر ويملأ قلوبنا بالحب والعطاء
تظل القرية حية تذكره تحكي عنه وتسمع صدى عطائه في كل زاوية في كل جمعة وفي كل رمضان الرجل الذي زرع الحياة في كل بيت وشارك أهل القرية فرحة الشهر وترك أثرًا خالدًا

فمن لا يعرف ذلك الشيخ لا يعرف منابع الخير ومن لم يسمع عن سيرته لم يعرف كيف يكون العطاء روحًا حية وكيف يكون للقرية قلب ينبض بالحب والوفاء

إنه والدي الشيخ حمدان بن مطير رحمه الله تعالى بفراقه انكسر قلبي وفقدت توازني لكن ما جعلني أقف أو أستسلم هو ما كان عليه من خير وما تركه لنا من سمعة وتاريخ وذكرى وتقدير من الآخرين
ومن يستطيع أن يعيد لتلك القرية روحها ولجدرانها قوتها كما كان يفعل أبي

رحمك الله رحمة واسعة وجعل قبرك روضة من رياض الجنة وجمعنا بك في دار لا فراق بعدها حيث لا تبكي القرى رجالها ولا تفقد المساجد أئمتها وحيث تُستكمل فرحة رمضان كما أحببت مع من أحببتهم وأحبوك .

_______________

بقلم محمد حمدان الذبياني ( إعلامي سعودي )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى