ليس علينا أن نبدأ من الصفر .. بقلم | فاتن الوادعي

بقلم | فاتن الوادعي
كثيرًا ما نؤجل البدايات لأننا ننتظر اللحظة المناسبة ننتظر أن تستقر ظروفنا، وأن تتضح الطريق أمامنا، وأن نشعر بأننا أصبحنا مستعدين بما يكفي. تمر الأيام، ونظل نعتقد أن الحياة التي نريدها تبدأ في مكان آخر، وفي وقت لم يصل بعد.
لكن ماذا لو كانت البداية لا تحتاج إلى كل هذا الانتظار؟
ماذا لو أننا لا نحتاج إلى حياة جديدة بقدر ما نحتاج إلى أن نكتشف الإمكانات التي ما زالت موجودة في حياتنا الحالية؟
نحن أحيانًا ننظر إلى ما مضى بوصفه سنوات ضائعة، وإلى الفرص التي لم تتحقق بوصفها أبوابًا أُغلقت إلى الأبد. ننسى أن التجارب التي لم تمنحنا ما أردناه قد منحتنا معرفة بأنفسنا، وأن الطرق التي لم تكتمل قد كشفت لنا ما يناسبنا وما لم يعد يشبهنا.
ليس معنى ذلك أن كل ما حدث كان جميلًا، أو أن الخسارات لا تؤلم. بل إن الإنسان يستطيع أن يعترف بصعوبة ما مرّ به، من دون أن يمنح الماضي سلطة تحديد ما تبقى من مستقبله.
ولعل أكثر ما يحدّ من قدرتنا على التغيير هو اعتقادنا بأن علينا إصلاح كل شيء قبل أن نبدأ أي شيء. نريد خطة كاملة، وظروفًا مثالية، وضمانات بأن محاولتنا لن تنتهي بخيبة أخرى. وحين لا نجد هذه الضمانات، نبقى في أماكننا، كأن الانتظار أكثر أمانًا من التجربة.
غير أن كثيرًا من الطرق لا تتضح إلا بعد أن نسير فيها. وقد لا نعرف قدرتنا على التعلم حتى نتعلم، ولا نكتشف ميولنا الحقيقية حتى نجرب، ولا ندرك أن أمامنا خيارات أخرى حتى نتوقف عن النظر إلى خيار واحد بوصفه فرصتنا الأخيرة.
البداية ليست دائمًا قرارًا كبيرًا يغيّر شكل الحياة في يوم واحد. قد تكون معرفة جديدة، أو مهارة نتعلمها، أو محاولة نؤجلها منذ سنوات، أو شجاعة في الاعتراف بأن الطريق الذي اخترناه لم يعد الطريق الذي نريده.
وما يستحق التأمل هنا أن الإنسان لا يعود إلى البداية الأولى حين يقرر المحاولة من جديد إنه يعود ومعه ما تعلّمه، وما فهمه، وما أصبح قادرًا على رؤيته بوضوح أكبر. إنه يبدأ من موضع مختلف، حتى لو بدا للآخرين أنه يعيد الخطوة نفسها.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم تأخرنا عن الحياة التي تمنيناها؟ بل: ما الذي ما زال بإمكاننا أن نصنعه بما نملكه اليوم؟
لسنا مطالبين بأن نستعيد كل فرصة فاتتنا، ولا بأن نعيش الحياة التي رسمناها لأنفسنا قبل سنوات. يكفينا أحيانًا أن نمنح أنفسنا حق اكتشاف طريق آخر، وأن نفهم أن تغير أحلامنا ليس بالضرورة هزيمة، وأن اختلاف ظروفنا لا يعني انتهاء قدرتنا على الاختيار.
فالحياة لا تمنح الجميع البدايات نفسها، ولا تفتح الأبواب في التوقيت ذاته. لكن ما لم يُحسم بعد لا ينبغي أن نعامله كما لو أنه انتهى.
ربما لا نحتاج إلى أن نبدأ من الصفر ربما نحتاج فقط إلى أن نتوقف عن الاعتقاد بأن ما وصلنا إليه هو كل ما يمكن أن نصل إليه.


