فضفضة متقاعد (8) بعد بعد بعده .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي
اشتكيت يومًا إلى أحد الأصدقاء أنني أصبحت أقضي معظم يومي في المنزل، وأن ساعات النهار بعد التقاعد أصبحت أطول مما كنت أعتقد.
قال لي: ولماذا لا تستغل هذه الساعات في شيء مفيد؟
قلت: أحاول، لكن المشكلة أنني كلما قررت أن أبدأ شيئًا قلت لنفسي: ( ما من عجلة ) فما زال أمامي متسع، ولا يوجد ما يلزمني الآن، ثم أؤجله إلى الغد.
والغد عند المتقاعد، كما في واسع علمكم، ليس يومًا محددًا، بل مساحة زمنية واسعة يمكن ترحيل كل ما لا ترغب في فعله اليوم إليها.
تأملني صديقي قليلًا، وكأنه يراني لأول مرة، وارتسمت على وجهه ابتسامة ذات مغزى، ثم قال: جرب أن تسجل في نادٍ رياضي.
راقت لي الفكرة، فأنا أصلًا من أصحاب الأوزان، وأيامي متسعة حد التخمة، وحركتي لا تتجاوز التنقل بين مقعدي والثلاجة وما جاورها من أدراج، ولا يكاد يقطع هذا الروتين سوى النزول المتكرر لمقابلة ( أصدقائي ) مندوبي التوصيل .. لذلك وجدت أن النادي قد يحل مشكلتين في وقت واحد: السأم والوزن.
بهمة تفتت الصخر سجلت في أحد الأندية، واخترت اشتراكًا لمدة ستة أشهر، ودفعته، وكلي إصرار وعزيمة.
وفي الأيام الأولى كنت ملتزمًا بالحضور، وأتعامل مع الأجهزة كبطل منتظر، دون أن أكترث لما تعكسه المرايا المحيطة بي من حقائق وزوائد.
مع نهاية الأسبوع الأول بدأت أراجع مستوى التمارين.
وفي الأسبوع الثاني بدأت أراجع مستوى الحماس.
وفي الأسبوع الثالث بدأت أراجع قرار الاشتراك نفسه.
ثم جاء اليوم الذي ذهبت فيه إلى النادي مودعًا.
ولم أخبرهم بالطبع أن الوداع سيكون الأخير.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت بجوار النادي نظرت إليه من بعيد، وتذكرت اشتراكي الذي لم يستوفِ ربع عمره، ثم واصلت طريقي بضمير متصالح وكرش مبتهج.
أما المبلغ الذي دفعته لستة أشهر، فلعله كان تبرعًا غير مقصود لدعم الرياضة وأنديتها.
عدت إلى صومعتي من جديد، على أنني لم أغلق الباب تمامًا أمام فكرة العودة إلى النادي.. فما زلت أقول لنفسي إن العودة ممكنة، وقد تكون الأسبوع القادم مثلًا، أو الذي بعده، وربما بعد بعده.
أما وزني، لمن يسأل، فأطمئنكم أنه ما زال على رأس العمل ويتمدد.
(يتبع…)


