أقلام واعدةالمقالات

همساتُ يومٍ ماطر

أتى الصوت من خلف النوافذ خافتاً تك..تك.. تك، ثم شرع بالتسارع وأخيراً انهمر الصوت قوياَ متتالياً،….. إنها تُمطر..

مرحباً.. مرحباً بزائر يأتينا غباً، يُجدد فينا الذكريات ويثير فينا الحنين ويملؤنا بالأمل.

مرحباً.. بفيض رحمة المولى وغيث الفيافي والقلوب.

لنا مع المطر قصصٌ لا تنتهي وحبٌ لا يَقدم وشوقٌ لا يبلى.

يأتي بعد طول عهد فتتهلل السماء وتفرح الأرض، وتنتعش الأحياء وترق المشاعر والأحاسيس.

 كانت أمي تفتح باب صالتها إذا أمطرت السماء وكأنها تستقبل غائباً بعد طول غياب، تمسك بيدي ونخرج لنقف تحت قطراته حاسرين متلهفين، أليس حديث عهد بربه، فتغمرنا لحظات سكون نستمع فيها لصوت المطر يداعب الأرض فتردد أسطحها ضحكاته وتنشرح منا الصدور.

منذ سنوات جمعتني بأمريكية دورة تدريبية. ما أن بدأنا بالتعلم إلا والسماء تعصر سحابها هتان يداعب نوافذ المكان، وسرعان ما أصبح وابلاً توقفت بسببه الدراسة، وسارعت الحاضرات بالخروج لرؤية رحمة الله تنعش الحديقة والنباتات في الساحات، تجمع الحضور في الخارج سوياً، هذه ضاحكة وتلك ترفع يديها داعية، تقاسمن الفرح والابتسامات. من بعيد وقفت رفيقتي الأمريكية تنظر لنا وقالت معلقة ومستغربة من تفاعلنا مع المطر: المطر في بلدي يعني الكآبة.

رددت باسمة: والمطر في بلدي يعني الفرح.

ينزل المطر فتتغير المشاعر وتلين الطباع، من كان بالأمس عابساً تراه مبتسماً ومن كان مكفهراً تراه منشرحاً ومن كان مهموماً يطمئنه تفتح أبواب السماء بفرج قريب.

نعم نفرح بالمطر وتغمرنا في اليوم الماطر مشاعر سعادة لا توصف، يومٌ ماطرٌ أي يوم يستحق المشي والخروج من المنزل، أو ليكن يوماً مناسباً للمة العائلة وشبت النار.

وأيام ماطرة أي ربيعاً بعدها جميلاً يشجع على النزهات، يخرج فيه الناس بكل الأطياف يتتبعون الفياض، ويشاهدون آثار رحمة الله تحيي الأرض بعد موتها وتُحيل ما أصفر منها إلى أخضر يسر المتنزهين.

يوم ماطر يتجدد فيه الحنين في قلوبنا لمن كانوا معنا سنوات مضت، يشاركوننا فرحنا ويرددون ضحكاتنا ويملؤون يومنا الماطر سعادة.

اللهم أملأ قبورهم نوراً واجعل مراقدهم ربيعاً.

هكذا المطر يثير مشاعرنا فرح وحزن يتلوه فرح، وقد أبدع البحتري حين قال:

 إنَّ السّماءَ إذا لم تَبكِ مُقلتها        لم تضحَك الأرضُ عن شيء من الخضرِ

والزهرُ لا تنجلي أحداقه أبداً        إلا إذا مَرِضتْ من كثرَة المطرِ

_________________________

سارة آل شعبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى