الكتاب

وطنٌ لا ينحني.. وشعبٌ لا يعرف الانكسار .. بقلم | حسن أحمد الزهراني

بقلم: حسن أحمد الزهراني مستشار التدريب والتطوير

ليست الأوطان مجرد حدودٍ تُرسم على الخرائط، ولا مساحاتٍ تتسع للمدن والقرى والطرقات، بل هي أرواحٌ تسكننا قبل أن نسكنها، وكرامةٌ نحملها في صدورنا قبل أن نحمل هوياتها في جيوبنا، وتاريخٌ من المجد لا تُختصر صفحاته في كتاب، ولا تنال من شموخه عواصف الأيام.

وحين يكون الوطن هو المملكة العربية السعودية، فإن الحديث لا يكون عن أرضٍ فحسب، بل عن عقيدة انتماء، وجذور عزّة، وراية توحيد، وقيادةٍ وشعبٍ جمعتهما عهود الوفاء، وصاغت بينهما المواقف ميثاقًا لا تزعزعه المحن.

وفي ظل ما تتعرض له بلادنا من اعتداءات حوثية آثمة، تستهدف أمنها ومنشآتها وسلامة أبنائها، يبرز السؤال الذي لا يحتاج إلى إجابة بقدر ما يحتاج إلى تأمل: هل تستطيع الصواريخ أن تنال من وطنٍ تسكن محبته قلوب الملايين؟ وهل يمكن لطائرةٍ مسيّرة أن تهز إرادة شعبٍ تعلّم من تاريخه أن العزة لا تُستعار، وأن الكرامة لا تُساوَم؟

إن الذين يظنون أن استهداف المنشآت المدنية أو ترويع الآمنين يمكن أن يُضعف عزيمة السعوديين، لم يقرأوا جيدًا تاريخ هذا الوطن، ولم يدركوا حقيقة العلاقة التي تربط المواطن بأرضه وقيادته. فالسعودي لا ينتظر حتى تقترب الأخطار من داره ليكتشف معنى الانتماء؛ لأنه تربّى على أن أمن الوطن أمنه، وكرامته كرامته، وأن الدفاع عنه ليس موقفًا عابرًا تفرضه الأحداث، بل مسؤولية راسخة لا تسقط بتغيّر الظروف.

ولأن الوطن لا يحميه السلاح وحده، فإن لكل مواطنٍ موقعًا في ميدان الوفاء.

فالجندي المرابط على الثغور يحرس الحدود بعينه الساهرة وقلبه الثابت، ورجل الأمن يحمي الأرواح ويصون الطمأنينة، والطبيب يداوي الجراح ويخفف الألم، والمعلم يغرس في الأجيال قيم الانتماء والوعي والمسؤولية، والإعلامي يحرس الحقيقة من التشويه، والمثقف يواجه حملات التضليل بالكلمة الرصينة، والموظف يتقن عمله، ورائد الأعمال يواصل البناء، والأم تربي أبناءها على حب الوطن، والأب يورثهم شرف الانتماء إليه.

هكذا يكون الدفاع عن الوطن مفهومًا أوسع من ساحات المواجهة؛ إنه ضميرٌ حاضر في كل مهنة، وأمانةٌ تُؤدَّى في كل موقع، وعملٌ صادق تتجسد فيه الوطنية بعيدًا عن ضجيج الشعارات.

ولعل أعظم ما يميز هذا الشعب أنه يعرف كيف يجمع بين حرارة العاطفة ورجاحة العقل؛ فلا تجرفه الشائعات، ولا تستدرجه الاستفزازات، ولا يحوّل غضبه المشروع من المعتدين إلى كراهية الشعوب. إننا نفرّق بوعيٍ بين من يعتدي وبين الأبرياء الذين لا ذنب لهم، وندرك أن قوة الموقف لا تقاس بارتفاع الصوت، وإنما بثبات المبادئ، وحكمة التصرف، والالتفاف الواعي حول مؤسسات الدولة وقيادتها.

وما أشد حاجة الأوطان في أوقات التحديات إلى ذلك المواطن الذي لا يكتفي بأن يقول: أنا أحب وطني، بل يترجم محبته إلى سلوك؛ فلا ينشر شائعة، ولا يتداول معلومة تضر بأمن بلاده، ولا يسمح للخوف أن يصبح وسيلة لزعزعة الصفوف، ولا يتهاون في مسؤولية أُوكلت إليه. فالكلمة في زمن الأزمات مسؤولية، والوعي حصن، والوحدة الوطنية قوة لا تقل شأنًا عن قوة السلاح.

إن المملكة التي انطلقت بثقة نحو مستقبلٍ طموح، وبنت مشروعاتها، واستثمرت في إنسانها، ومدّت جسور التنمية إلى كل أرجائها، لن تجعل من الاعتداءات سببًا للتراجع عن أحلامها. فالبناء في زمن التحديات رسالة سيادة، واستمرار الحياة والإنتاج والتعليم والعمل إعلانٌ بأن إرادة التنمية أقوى من محاولات التعطيل.

نحن أبناء وطنٍ لا يستمد قوته من غياب التحديات، بل من قدرته على مواجهتها؛ ولا يقيس عظمته بعدد الأزمات التي تجنبها، بل بمقدار ما يحافظ عليه من وحدةٍ وكرامةٍ وثبات حين تشتد الأزمات.

ولأن الوفاء لا يكتمل دون عرفان، فإن لرجال قواتنا المسلحة والأجهزة الأمنية، ولكل من يقف في ميادين الحماية والدفاع والإنقاذ، مكانةً لا تختصرها كلمات الشكر. إنهم الذين يحملون من المسؤولية ما يجعل حياتنا أكثر أمنًا، ويتقدمون نحو مواطن الخطر لتبقى بيوتُنا عامرةً بالسكينة. لهم منا الدعاء الصادق، والتقدير الدائم، والاعتزاز الذي لا تحدّه مناسبة.

وفي قلب هذا كله، تبقى وحدتنا الوطنية أعظم ما ينبغي أن نصونه. فلا مكان بيننا لمن يريد تفريق الصف، ولا مجال لصوتٍ يستثمر في الخوف، ولا فرصة لمن يتوهم أن اختلاف المناطق أو المهن أو الأجيال يمكن أن يكون مدخلًا للنيل من تماسكنا. فمن شمال المملكة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، ومن قلب نجد إلى سواحل البحر الأحمر، تتعدد الوجوه واللهجات، ولكن النبض واحد، والراية واحدة، والمصير واحد.

أيها الوطن العظيم…

قد تعبر سماءك غيوم التهديد، وقد تتعاقب على حدودك رياح الأزمات، لكنك ستظل في قلوب أبنائك شامخًا، لا لأنك بعيدٌ عن الأخطار، بل لأن وراءك رجالًا ونساءً يؤمنون بأن حمايتك شرف، وخدمتك واجب، والعمل من أجل رفعتك رسالة عمر.

سنظل نبني حين يريد الآخرون لنا الانشغال بالهدم، ونتعلم حين يريدون لنا التوقف، ونعمل حين يراهنون على تعثرنا، ونلتف حول وطننا وقيادتنا حين يظن المعتدون أن الخوف قادر على تفريقنا.

فليس كل من يدافع عن وطنه يحمل بندقية؛ هناك من يحمل علمًا، ومن يحمل قلمًا، ومن يحمل رسالة، ومن يحمل أمانة، وكلهم يلتقون عند رايةٍ واحدة، اسمها السعودية.

وستبقى رسالتنا واضحةً لا لبس فيها: نحن دعاة سلام، لكننا لا نقبل الاعتداء؛ نؤمن بالحوار، لكننا لا نساوم على السيادة؛ نحب الحياة، لكننا لا نفرّط في الكرامة.

وفي النهاية، قد تصيب الصواريخ حجرًا، وقد تؤلم الاعتداءات قلبًا، وقد تترك الأحداث جراحًا، لكنها لن تستطيع أن تنتزع من الإنسان السعودي إيمانه بوطنه، ولا ثقته بمستقبله، ولا عزيمته على مواصلة البناء.

فالأوطان العظيمة لا يحرسها الرجال على الحدود وحدهم، بل تحرسها أيضًا قلوب الملايين الذين أقسموا بالفعل قبل القول أن تبقى شامخة.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها، وحمى قيادتها وشعبها، ورحم شهداءها، وشفى مصابيها، وردّ كيد المعتدين، وجعلها دائمًا وطنًا للعزة والسلام والكرامة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى