فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) لدى الأطفال .. متى تصبح الحركة مؤشرًا يستحق الانتباه؟

إقبال الخالدي – متخصصة في رياض الأطفال والطفولة المبكرة
طفل لا يتوقف عن الحركة، وآخر لا يكمل نشاطًا بدأه، وثالث يجد صعوبة في الجلوس بهدوء. سلوكيات قد نلاحظها يوميًا لدى الأطفال، سواء في المنزل أو داخل الفصل الدراسي، لكن السؤال الذي يشغل كثيرًا من الأمهات والمعلمات: هل هي تصرفات طبيعية في مرحلة الطفولة، أم مؤشرات على اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
ما اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)؟
هو اضطراب نمائي عصبي يؤثر في قدرة الطفل على تنظيم انتباهه ونشاطه الحركي والتحكم في اندفاعه. ولا يعني بالضرورة أن الطفل قليل التربية أو أنه يتعمد مخالفة التعليمات، بل قد يواجه صعوبة حقيقية في تنظيم سلوكه.
ثلاثة أنماط لاضطراب واحد
1. نمط تشتت الانتباه: يظهر على الطفل السرحان المتكرر، ونسيان التعليمات، وفقدان أغراضه، وصعوبة إكمال المهام التي تتطلب التركيز.
2. نمط فرط الحركة والاندفاع: يجد الطفل صعوبة في البقاء جالسًا، ويتحرك بشكل متكرر في المواقف التي تتطلب الهدوء، وقد يتصرف قبل التفكير أو يجد صعوبة في انتظار دوره.
3. النمط المشترك: يجمع الطفل بين أعراض تشتت الانتباه وفرط الحركة والاندفاع.
راقبي طفلك.. كيف تظهر علامات فرط الحركة؟
1. تحريك القدمين باستمرار: يهز رجليه أثناء الجلوس على الكرسي، حتى أثناء مشاهدة التلفاز أو تناول الطعام.
2. صعوبة البقاء جالسًا: يترك كرسيه عدة مرات أثناء تناول الطعام أو أداء الواجبات، ويجد صعوبة في الاستمرار بالجلوس عندما يُتوقع منه ذلك.
3. كثرة الحركة: ينتقل من مكان إلى آخر، وقد يركض داخل المنزل في أوقات يُتوقع منه الهدوء فيها.
4. العبث بالأشياء: يحرك القلم أو ينقر بأصابعه على الطاولة أو يقلب الأشياء بين يديه باستمرار.
5. التسلق والقفز المتكرر: يتسلق الأثاث أو يقفز على الكنب في مواقف غير مناسبة.
6. صعوبة اللعب بهدوء: يجد صعوبة في المشاركة في الأنشطة الهادئة دون حركة متكررة.
هذه التصرفات لا تعني بالضرورة إصابة الطفل بالاضطراب، وإنما تصبح مؤشرات تستحق الانتباه عندما تتكرر بصورة مستمرة وتؤثر في حياته اليومية.
كيف نميز بين النشاط الطبيعي وفرط الحركة؟
الحركة واللعب والاستكشاف من طبيعة الطفولة، لكن متى تصبح الحركة مؤشرًا يستحق الانتباه؟
في المنزل: قد يتحرك الطفل كثيرًا أثناء اللعب، وهذا أمر طبيعي. لكن عندما يجد صعوبة متكررة في البقاء جالسًا أثناء تناول الطعام أو أداء الواجبات، ويترك مكانه باستمرار رغم محاولات توجيهه، فقد يكون ذلك مؤشرًا يستحق الملاحظة.
في المدرسة: قد يتحرك طفلان داخل الفصل، لكن أحدهما يستطيع العودة إلى مقعده وإكمال النشاط عند توجيه المعلمة، بينما يواجه الآخر صعوبة متكررة في البقاء جالسًا أو إكمال النشاط رغم محاولته الالتزام بالتعليمات.
ولا تكفي هذه التصرفات وحدها لتشخيص الاضطراب؛ فالمهم هو استمرار الأعراض، ومدى تأثيرها في حياة الطفل مقارنة بما يُتوقع من الأطفال في عمره.
متى تحتاج هذه العلامات إلى تقييم متخصص؟
هناك مؤشرات تستدعي انتباه الأسرة والمعلمين، أهمها:
* استمرار عدة أعراض لمدة ستة أشهر على الأقل.
* أن تكون تصرفات الطفل، مثل كثرة الحركة أو تشتت الانتباه، أكثر من المعتاد مقارنةً بالأطفال في عمر.
* وجود عدة أعراض في بيئتين أو أكثر، مثل المنزل والمدرسة.
* تأثير الأعراض بوضوح في التعلم أو العلاقات الاجتماعية أو الأنشطة اليومية.
ولا يعتمد تشخيص الاضطراب على ملاحظة سلوك واحد، بل يحتاج إلى تقييم متخصص يجمع معلومات من الأسرة والمعلمين، ويتحقق من الأعراض ويستبعد الأسباب الأخرى التي قد تؤدي إلى سلوكيات مشابهة.
هل يمكن أن يكون الطفل هادئًا في المدرسة وكثير الحركة في المنزل؟
نعم، فقد تختلف شدة الأعراض من بيئة إلى أخرى، تبعًا لطبيعة الأنشطة ومستوى التنظيم والدعم المقدم للطفل.
فقد تساعد الأنشطة الصفية المنظمة والتعليمات الواضحة على ضبط سلوكه داخل المدرسة، بينما تظهر الحركة بصورة أكبر في المنزل.
ومن المهم معرفة أن أعراض الاضطراب لا يشترط أن تظهر بالشدة نفسها في جميع البيئات، لكن تشخيصه يتطلب وجود عدة أعراض في بيئتين أو أكثر، مع تأثير واضح في حياة الطفل. لذلك ينبغي متابعة سلوكه في المواقف المختلفة، والتواصل بين الأسرة والمعلمة لتكوين صورة أشمل عن احتياجاته.
الفهم قبل الحكم
الخطوة الأولى ليست البحث عن تشخيص سريع، بل ملاحظة سلوك الطفل وفهم أسبابه، ثم الاستعانة بالمختصين عند الحاجة.
فالطفل الذي يواجه صعوبة في تنظيم حركته وانتباهه يحتاج إلى بيئة تتفهم احتياجاته، وتساعده على اكتساب المهارات المناسبة دون لوم أو مقارنة بالآخرين.
فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى من يطالبه بالهدوء، بل إلى من يفهم لماذا يصعب عليه الهدوء.


