الكتاب

من عمق التاريخ إلى المستقبل .. يوم وطني يحمل إرث آلاف السنين .. بقلم | د/ منيرة علي آل عقيل

في الثالث والعشرين من سبتمبر، يقف السعوديون عند ذكرى مجيدة، ممتدة عبر عمق التاريخ والزمن، لتصل حاضرًا عامرًا بالإنجاز بماضٍ عريق ضارب في القدم. فالمملكة العربية السعودية، التي وحّد أرضها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه- عام 1932م، جاءت وريثة أرضٍ احتضنت الإنسان منذ عشرات آلاف السنين، وشهدت تعاقب حضارات وثقافات متعددة تركت بصماتها في كل واحة ووادٍ وجبل.

جذور أعمق من التاريخ المكتوب

ولإدراك حجم هذا الإرث، يكفي أن نلتفت إلى المواقع الأثرية المنتشرة من شمال الجزيرة إلى جنوبها، والتي تكشف أن هذه الأرض لم تكن يومًا هامشًا صحراويًا معزولاً، بل كانت موطناً حضارياً وممرًا حيويًا ومسرحًا لنشاط إنساني مستمر. فنقوش جبة والشويمس في منطقة حائل تؤرخ لحضور إنساني يمتد آلاف السنين، وطبقات واحة الأحساء الأثرية تحمل شواهد استيطان يعود إلى العصر البرونزي، بينما ترتبط نجران بشبكة تجارية وثقافية وثّقت صلاتها منذ القدم بداخل الجزيرة العربية وخارجها. أما شرق الجزيرة العربية، فقد وردت الإشارة إليه في نصوص حضارتي بابل وآشور، وهو ما يؤكد أن هذه المنطقة كانت حاضرة في وعي العالم القديم لا غائبة عنه.

محطة التوحيد: تتويج لا بداية

وعلى هذا الأساس العميق قامت محطة التوحيد. فحين أعلن الملك عبدالعزيز توحيد المملكة العربية السعودية، لم يكن ذلك حدثًا منبتّ الصلة بما سبقه، بل كان تتويجًا لتاريخ طويل من التفاعل الاجتماعي والثقافي على هذه الأرض المباركة. فالوحدة السياسية الحديثة التقت مع وحدة جغرافية وثقافية أقدم بكثير، جمعت قبائل وشعوبًا تشترك في لغة واحدة وإرث متوارث من العادات والفنون والمعارف. ومن هنا فإن الاحتفاء باليوم الوطني احتفاءٌ بهذا الإرث العريق، بقدر ما هو احتفاء بالإنجاز السياسي والتنموي الحديث.

من الإرث إلى الرؤية

وتدرك رؤية المملكة 2030 قيمة هذا الإرث جيدًا، فجعلت من التراث والثقافة أحد أهم روافد التنمية والهوية الوطنية. فمشروعات مثل العُلا والفاو، وجهود التنقيب الأثري المتواصلة، لم تعد اهتمامات أكاديمية متخصصة فحسب، بل تحولت إلى مشروعات وطنية تسهم في الاقتصاد والسياحة، وتسهم في بناء صورة المملكة أمام العالم. وهذا ما يمنح اليوم الوطني بعدًا إضافيًا: فهو ليس احتفالًا بالماضي وحده، بل تأكيدٌ على أن هذا الماضي وقودٌ حقيقي لمستقبل واعد.

خاتمة

وهكذا، فكل عام يمرّ واليوم الوطني يذكّرنا بأن هذا الوطن بمكانته العظيمة وازدهاره، هو امتدادٌ طبيعي لإنسان سكن هذه الأرض منذ فجر التاريخ، وترك فيها أثرًا لا يزال شاهدًا حتى اليوم. وفي هذا الاعتزاز بالعمق التاريخي معنى أصيل للانتماء، ودعوة متجددة لكل باحث ومهتم بالتراث لمواصلة الكشف عن كنوز هذه الأرض وحكاياتها التي لم تُروَ بعد بالكامل.

بقلم | د/ منيرة علي آل عقيل

قسم التاريخ والتراث- جامعة الامام عبدالرحمن بن فيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى