الجبيل الصناعية.. مدينة الأمس واليوم .. بقلم | سعد أحمد الشمراني

بقلم | سعد أحمد الشمراني
ثمة مدنٌ تسكنك وتترك في وجدانك أثراً لا يمحوه الزمان، وتظل تفاصيلها حية في خلايا ذاكرتك مهما ابتعدت عنها. كانت مدينة الجبيل الصناعية بالنسبة لي هي تلك المدينة الاستثنائية؛ المكان الذي صغت فيه أجمل أيام حياتي، وعشت فيه زهرة شبابي وأنا أعمل في أروقتها. غير أن سنّة الحياة ومجرياتها لا تتوقف؛ فبعد قرار التقاعد المبكر، حزمت أمتعتي وانتقلت للعيش في مكان مسقط رأسي، مدينة الدمام. ومع مرور الأيام والسنوات، بدأت زياراتي للجبيل تقل وتتباعد، وصارت العودة إليها نادرة، حتى بدأت تفاصيل المدينة تنسلخ رويداً رويداً من وجداني، وتتحول ذكرياتي فيها إلى صور دافئة يغطيها غبار الوقت.
ولكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد؛ إذ لم أكن أعلم أن الأقدار تخبئ لي جسراً جديداً يعيدني إلى مدينتي الأثيرة. يعود ابني اليوم لينضم طالباً في كلية الجبيل الصناعية، وكأن التاريخ يعيد نفسه بنغمة جديدة. بمجرد أن وطأت قدمي حدود المدينة برفقة ابني، شعرت بحركة دافئة تسري في داخلي؛ لقد عادت الروح مرة أخرى إلى هذه المدينة الجميلة، واستيقظت الذكريات من مرقدها لتعلن أن العشق القديم للمكان كان ينتظر فرصة ليزهر من جديد.
وبما أن ابني لا يزال في مرحلة البدايات ولم يحصل بعد على رخصة القيادة، فقد تحولت هذه العقبة البسيطة إلى منحة غير متوقعة.
أصبحت أرافقه بنفسي إلى الجبيل الصناعية؛ أذهب به في بداية كل أسبوع ليخوض رحلته الأكاديمية، وأعود لأخذه في نهاية الأسبوع ليعود إلى أحضان الأسرة. في هذا الطريق الممتد بين الدمام والجبيل، تحولت السيارة إلى مسرح للحديث وجسر للتواصل بين جيلين.
خلال تلك الرحلات الأسبوعية، صار الطريق فرصة لأخذ ابني في رحلة عبر الزمن؛ أحدثه بحب وشغف عن الجبيل الصناعية منذ نشأتها الأولى، حين نبعت الفكرة من رؤية قيادة المملكة في السبعينيات لتقليل الاعتماد الكلي على صادرات النفط الخام. أروي له كيف ركزت الفكرة على تجميع الغاز المصاحب لعمليات إنتاج النفط—والذي كان يُحرق سابقاً دون الاستفادة منه—واستخدامه كمادة خام وأساسية ووقود لتشغيل صناعات بتروكيماوية وتكريرية ضخمة ذات قيمة مضافة عالية. وكيف تقرر بناء قطبين صناعيين؛ أحدهما في الجبيل على ساحل الخليج العربي شرقاً، والآخر في ينبع على ساحل البحر الأحمر غرباً لتسهيل التصدير لجميع أنحاء العالم.
وأنا أقود السيارة، ألتفت إلى ابني وأخبرته عن كيف مجلس إدارة للهيئة الملكية الملك الذي ترأسه الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، رحمه الله (حينما كان ولياً للعهد آنذاك)، وهذا يعكس الأهمية الاستراتيجية القصوى للمشروع لدى الدولة. وكيف تميزت الهيئة بتبني نموذج فريد عالمياً وهو “الإدارة الشاملة”؛ فهي تتولى التخطيط الحضري البشري، وبناء المدارس والمستشفيات، وتبريد مياه البحر، وإدارة المرافق والخدمات البلدية والأمنية تحت مظلة واحدة. أقول له كيف غدت مدينة الجبيل الصناعية اليوم بمثابة أكبر تجمع للصناعات البتروكيماوية في العالم ونموذجاً ملهماً للتخطيط الحديث، وكيف امتد هذا النجاح الباهر لتُكلّف الهيئة لاحقاً بإدارة وتطوير مدن أخرى، مثل رأس الخير للصناعات التعدينية عام 2009م، وجازان للصناعات الأساسية والتحويلية عام 2015م، لتلعب اليوم دوراً محورياً في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 عبر تعظيم التحول الصناعي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتوطين التقنيات الحديثة.
ومع اقترابنا من مبنى كلية الجبيل الصناعية (JIC)، أتوجه إليه بكلامي عن هذا الصرح الأكاديمي الشامخ الذي يخطو فيه أولى خطوات مستقبله، متحدثاً عن كيف تأسس ليكون مصنعاً للرجال وسنداً للمشروع الوطني العظيم؛ إذ يُعد صرح للتعليم التقني في المملكة، ويعمل تحت الإشراف المباشر لقطاع التعليم في الهيئة الملكية للجبيل وينبع. أسرُّ له كيف أُسست هذه الكلية خصيصاً لتكون المغذي والممول الرئيسي لشركات قطاع البتروكيماويات والغاز والطاقة—مثل سابك وأرامكو—بالكوادر الوطنية المؤهلة تأهيلاً عالمياً.
أشرح له محطات تطورها التاريخي: من بدايتها عام 1398هـ / 1978م تحت اسم “مركز تدريب الأيدي العاملة” بهدف تزويد المصانع الناشئة بالفنيين والمشغلين، مروراً بمرحلتها الثانية عام 1403هـ حين تم تطويرها وتغيير اسمها إلى “معهد الهيئة الملكية لتنمية القوى البشرية”، وصولاً إلى التحول الكلي عام 1409هـ / 1989م بصدور قرار يقضي بتحويل المعهد إلى كلية متكاملة للهندسة وإدارة الأعمال باسمها الحالي “كلية الجبيل الصناعية”، وصولاً إلى الاندماج الاستراتيجي الحديث طبقاً لاستراتيجية الهيئة الملكية لدمج الكلية أكاديمياً مع كلية الجبيل الجامعية لتوحيد الجهود التعليمية ورفع الكفاءة التشغيلية لتقديم برامج نوعية موحدة. وألفت نظره بفخر إلى أن شهادته المستقبلية تحظى باعتراف محلي ودولي واسع، بفضل حصول الكلية على اعتماد المركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي (NCAAA)، واعتماد مجلس كليات وبرامج إدارة الأعمال الأمريكية (ACBSP)، واعتماد مجلس التكنولوجيا الكندي (CTAB) للبرامج الهندسية، مما يجعل خريجيها الخيار الأول لكبرى الشركات. أرى في عينيه الفضول والدهشة وهو يستمع إلى أبيه يفك أسرار هذا المكان العريق.
إن ما شهدته الجبيل الصناعية هو تجسيد حي لرؤية دولة آمنت ببنود التنمية المستدامة قبل أن يصبح المصطلح شائعاً. لقد هيأت الدولة هذه المدينة الصناعية ووفّرت معها كافة الخدمات بمواصفات وجودة عالية تفوق التوقعات؛ من البنية التحتية المذهلة والشوارع الفسيحة والمخططة بدقة، إلى الحدائق الغناء والشواطئ الساحرة، والخدمات التعليمية والصحية المتطورة؛ كلها شواهد تدل على أن هذه المدينة صُممت لتسبق عصرها. إنها بحق مدينة عصرية مكتملة الخدمات، تمازج فيها صرير المصانع وعطاء الصناعة مع هدوء الطبيعة وجمال التخطيط العمراني، مدينة تنبض بالحياة، وتمنح قاطنيها وزوارها شعوراً فريداً بالطمأنينة والانتماء.
اليوم، وأنا أقطع الطريق أسبوعياً بين الدمام والجبيل، أرى شريطاً من العمر يعاد رسمه؛ تسليمٌ للمشعل بين أيدي الأب وأحلام الابن. لقد أعاد لي ابني مدينتي، وأعادت الجبيل لي شريط أحلى السنين، لتظل هذه الجوهرة الصناعية شاهداً على أن المجد يكتبه التخطيط السليم، وأن المدن العظيمة هي التي تظل حية في قلوب أبنائها جيلاً بعد جيل.


