الكتاب

السعودية.. قصة وطن وفرحة شعب .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي

هناك أيام تمر في التقويم، وهناك أيام تبقى في الذاكرة.

واليوم الوطني السعودي من تلك الأيام التي لا تعبر مرورا عاديا، بل تأتي محملة بتاريخ وطن، وذاكرة شعب، وفرح يتجدد كل عام بصورة أكبر وأكثر حضورا.

ومع اقتراب الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتاج المرء إلى إعلان ليعرف أن المناسبة اقتربت. يكفي أن ينظر حوله ليرى كيف يتغير المشهد في المدن السعودية؛ الأعلام ترتفع، والواجهات تتزين، والمباني تكتسي بالأخضر، والأسواق تستعد، والأسر تبدأ في تجهيز ملابس أطفالها وأوشحتها وهداياها.

وكأن المملكة بأكملها تدخل تدريجيا في حالة من الفرح الوطني.

لم يعد اليوم الوطني مجرد مناسبة رسمية نحيي فيها ذكرى توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ طيب الله ثراه ـ بل أصبح موسما اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا يشارك فيه الجميع.

حتى تفاصيل الاستعداد له أصبحت قريبة من أجواء الأعياد.

الأطفال ينتظرون ملابسهم الخاصة بالمناسبة، والأسر تخطط لمواقع الفعاليات، والشباب يتابعون البرامج والاحتفالات، فيما تنتشر الأوشحة والشالات والملابس الخضراء والعباءات المصممة بروح وطنية.

وهذه التفاصيل البسيطة في ظاهرها تعكس تحولا أعمق.

فاليوم الوطني لم يعد مناسبة تدار من المؤسسات فقط، بل أصبح مناسبة يعيشها الناس بأنفسهم.

ومما يزيد المشهد جمالا أن المشاركة لم تعد مقتصرة على المواطنين. فالكثير من المقيمين الذين عاشوا سنوات على أرض المملكة أصبحوا جزءا من هذه الفرحة، يشاركون زملاءهم وأصدقاءهم الاحتفال، ويرتدون الأوشحة، ويرفعون الأعلام، ويكتبون كلمات المحبة والامتنان لهذا الوطن.

وهذه واحدة من أجمل صور المملكة؛ أن تصبح فرحتها قادرة على جمع كل من يعيش على أرضها.

وفي هذا اليوم، يصبح اللون الأخضر لغة بصرية مشتركة بين المدن.

تضاء به الأبراج، وتتزين به الجسور والميادين، وتتحول واجهات المحلات والشركات إلى لوحات وطنية، فيما تنتشر الأعلام في الطرقات والمنازل ومقار العمل.

لا يعود الأخضر مجرد لون، بل يصبح رمزا للمشاعر التي تجمع الناس في لحظة واحدة.

وقد أصبح اليوم الوطني كذلك موسما اقتصاديا مهما.

فالمؤسسات والشركات تبدأ استعداداتها مبكرا، وتخصص ميزانيات للاحتفال، ولتزيين المقرات، وتنظيم الفعاليات، وتقديم الهدايا للموظفين والعملاء، وإطلاق الحملات الإعلامية والتسويقية.

وتشهد شركات الهدايا والطباعة والإعلان والأزياء وتنظيم المناسبات حركة متزايدة، فيما تطرح المتاجر منتجات صممت خصيصا لهذه المناسبة.

حتى الخصومات والعروض أصبحت جزءا من ذاكرة اليوم الوطني.

المطاعم والفنادق والمتاجر وشركات السيارات والمنصات الإلكترونية وغيرها تتنافس في تقديم عروض خاصة، ليصبح اليوم الوطني أيضا موسما لتحريك السوق وتنشيط الحركة التجارية.

لكن، رغم كل هذه المظاهر، تبقى قيمة المناسبة أكبر من الأضواء والهدايا والخصومات.

فخلف هذا المشهد قصة وطن.

قصة دولة بدأت بالتوحيد، ثم مضت في البناء، حتى أصبحت اليوم واحدة من الدول المؤثرة سياسيا واقتصاديا، وتعيش مرحلة طموحة من التحول والتنمية وصناعة المستقبل.

وعندما يحتفل السعوديون بيومهم الوطني، فإنهم لا يحتفلون بالماضي وحده، بل يحتفلون بالحاضر، وبما تحقق من منجزات، وبما ينتظرهم من مستقبل.

إنهم يحتفلون بالأمن، والاستقرار، والتنمية، والفرص، وبطموح وطن يريد أن يكون دائما في المقدمة.

وربما أجمل ما في اليوم الوطني أن معظم مظاهره لا تحتاج إلى تعليمات.

لا أحد يطلب من طفل أن يحمل علم بلاده بمحبة.

ولا أحد يجبر أسرة على تزيين منزلها.

ولا أحد يفرض على شركة أن تحتفي بموظفيها.

ولا أحد يلزم مقيما بأن يشارك في الفرح.

ومع ذلك يفعل الجميع ذلك، لأن المناسبة أصبحت راسخة في الوجدان.

وهنا تحديدا تكمن قوة اليوم الوطني.

فهو لم يعد يوما نحتفل به فقط، بل أصبح تعبيرا سنويا عن علاقة المواطن بوطنه.

علاقة لا تقف عند رفع العلم أو ارتداء اللون الأخضر، بل تمتد إلى مسؤولية أكبر: أن يحافظ الإنسان على منجزات وطنه، وأن يؤدي دوره، وأن يشارك في صناعة مستقبله.

فحب الوطن لا يقاس بما نقوله عنه في يوم واحد، بل بما نقدمه له طوال العام.

ومع ذلك يبقى اليوم الوطني تلك اللحظة الجميلة التي يلتقي فيها الجميع على شعور واحد.

شعور الفخر بأن هذا الوطن هو المملكة العربية السعودية.

وفي هذه المناسبة الغالية، أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ـ حفظهما الله ـ وإلى الشعب السعودي الكريم، وإلى كل من يعيش على أرض المملكة ويشاركها محبتها وفرحتها.

نسأل الله أن يحفظ المملكة وقيادتها وشعبها، وأن يديم عليها الأمن والاستقرار والرخاء، وأن تبقى رايتها عالية، ومكانتها شامخة، ومسيرتها ماضية نحو مزيد من التقدم والازدهار.

كل عام والسعودية فرح لا ينتهي، وعز لا ينكسر، ووطن يسكن القلب.
دام عزك يا وطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى