الكتاب

حين يصبح الزواج عائقا أمام الدعم السكني.. هل نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم استحقاق المرأة؟ .. بقلم | فارس القاضي

بقلم | فارس القاضي

نجحت المملكة خلال السنوات الماضية في تحقيق قفزات كبيرة في ملف الإسكان، وأسهمت برامج الدعم والتمويل وتطوير المشاريع السكنية في تمكين أعداد كبيرة من المواطنين من تملك مساكنهم، في مسار يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى رفع نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن إلى 70%.

ومع هذا النجاح، تبقى بعض التفاصيل التنظيمية جديرة بالمراجعة والنقاش؛ ليس انتقاصا من المنجز، وإنما رغبة في تطويره بما يواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع السعودي.

ومن أبرز هذه القضايا: وضع المرأة المتزوجة الراغبة في تملك مسكن باسمها والاستفادة من الدعم السكني، في الوقت الذي يمتلك فيه زوجها مسكنا مناسبا.

وفق اللائحة التنفيذية الحالية لتنظيم الدعم السكني، فإن الاستحقاق يبنى في الأساس على مفهوم الأسرة؛ فإذا كان المتقدم أو أحد أفراد أسرته مالكا لمسكن مناسب، فلا يتحقق شرط الاستحقاق. كما تسمح اللائحة بأن تكون الزوجة هي المتقدمة للدعم شريطة تنازل زوجها لها عنه.

ومن الناحية التنظيمية، يمكن فهم فلسفة هذا التوجه؛ فالدولة تريد توجيه الدعم إلى الأسر التي لا تمتلك مسكنا، ومنع ازدواجية الاستفادة من المال العام داخل الأسرة الواحدة.

لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم هو:

هل يكفي اعتبار امتلاك الزوج للمسكن دليلا على تحقق الاستقلال والأمان السكني للزوجة نفسها؟

المرأة مواطنة قبل أن تكون حالتها الاجتماعية متزوجة أو مطلقة

المرأة السعودية اليوم موظفة، ومستثمرة، وصاحبة مشروع، وتتحمل التزامات مالية، وتحصل على التمويل، وتمتلك العقارات وتدير أموالها بصورة مستقلة.

ومن هنا يبدو منطقيا أن يعاد النظر في مفهوم الاستحقاق السكني بحيث يوازن بين وحدة الأسرة من جهة، والاستقلال المالي والتملكي لكل مواطن من جهة أخرى.

فالمنزل المسجل باسم الزوج يظل ملكا له من الناحية المالية والتملكية، وليس بالضرورة أصلا مملوكا للزوجة. وقد تعيش الزوجة في ذلك المنزل سنوات طويلة من دون أن تمتلك حصة منه.

وهنا تظهر مفارقة تستحق الدراسة: امرأة متزوجة، تعمل وتتقاضى راتبا وتريد شراء شقة أو منزل باسمها، قد تجد أن امتلاك زوجها لمسكن مناسب يحرم الأسرة من الاستحقاق، بينما تتحول المطلقة -بعد استيفاء المدة والشروط النظامية- إلى حالة مستقلة يمكنها التقدم للدعم. وتنص اللائحة الحالية على اعتبار المطلقة التي مضى على طلاقها سنة في حكم الأسرة المستقلة لأغراض الدعم السكني.

هل ينبغي أن تكون المزايا مرتبطة بتغير الحالة الاجتماعية؟

لا يصح القول دون دراسة علمية إن أنظمة الدعم السكني تسببت في انتشار الطلاق، فقرار الطلاق أكثر تعقيدا من أن يختزل في سبب اقتصادي واحد.

لكن من حقنا أن نسأل: هل يمكن لبعض الأنظمة والمزايا من حيث لا تقصد، أن تخلق حافزا اقتصاديا غير صحي يجعل بعض النساء يشعرن بأن استقلالهن السكني والمالي يصبح أسهل بعد الطلاق منه أثناء الزواج؟

هذه المسألة تستحق البحث.

فالسياسة العامة الناجحة لا تنظر فقط إلى الهدف المباشر للنظام، وإنما تراقب كذلك آثاره الجانبية غير المقصودة.

ولا ينبغي في أي حال أن يشعر المواطن أو المواطنة بأن إنهاء العلاقة الزوجية قد يمنحه مزايا أو فرصا مالية وسكنية لا يمكنه الحصول عليها وهو داخل أسرة مستقرة.

الأصل أن تكون الأنظمة محفزة لاستقرار الأسرة، لا أن تنشأ عنها -ولو بصورة غير مقصودة- مفاضلة اقتصادية بين البقاء في الزواج والانفصال.

المسكن باسم الزوج ليس ملكا للزوجة

هناك فرق ينبغي الالتفات إليه بين عبارتين:

(الأسرة لديها مسكن)

و:

(كل فرد بالغ في الأسرة يمتلك حقا ماليا في المسكن).

وجود منزل باسم الزوج قد يحقق الاحتياج السكني للأسرة في اللحظة الراهنة، لكنه لا يعني بالضرورة أن الزوجة أصبحت مالكة لعقار أو أنها حققت استقلالا ماليا طويل المدى.

وبالتالي، فإن ربط أهلية الزوجة للتملك المدعوم حصريا بالوضع العقاري للأسرة قد يحتاج إلى مزيد من المرونة.

ولا يعني ذلك المطالبة بصرف دعم كامل مرتين للأسرة الواحدة دون ضوابط، وإنما إيجاد نموذج أكثر عدالة ودقة.

ما الحل؟

يمكن لوزارة البلديات والإسكان دراسة عدد من البدائل التي تحافظ على المال العام وفي الوقت نفسه توسع فرص التملك للمرأة المتزوجة.

أولا : إنشاء مسار التملك الفردي المدعوم.

يسمح للزوجة السعودية التي لم يسبق لها تملك مسكن أو الاستفادة من دعم سكني بالحصول على تمويل أو دعم مخصص لتملك عقار باسمها، حتى إذا كان الزوج يمتلك مسكنا، على أن تختلف قيمة الدعم عن دعم الأسرة الأساسي لمنع ازدواجية الاستفادة.

ثانيا: الفصل بين دعم الاحتياج ودعم التملك.

فالدولة يمكن أن تستمر في اعتبار الأسرة التي لديها منزل غير محتاجة إلى [دعم الإيواء]، ولكنها تستطيع في المقابل توفير برنامج مختلف يهدف إلى تمكين المواطن من التملك وتكوين أصل عقاري.

وهنا يصبح هناك فرق بين دعم من يحتاج سقفا يسكن تحته، ودعم من يرغب في تملك مسكنه الأول باسمه.
ثالثا: منح كل مواطن سجلا مستقلا للاستفادة السكنية.
بحيث يكون معيار الاستحقاق مرتبطا بتاريخ استفادة المواطن نفسه، وليس فقط باستفادة الزوج أو الزوجة، مع وضع سقوف مالية تمنع استنزاف الدعم العام.

رابعا: السماح للزوجة بالاستفادة بنسبة دعم مخفضة.

إذا كان الزوج قد تملك منزلا أو استفاد من الدعم سابقا، يمكن منح الزوجة التي لم يسبق لها الاستفادة دعما بنسبة أقل أو تمويلا مدعوم الأرباح بشروط خاصة، بدل حرمانها كليا.

خامسا: دعم التملك المشترك.

يمكن تحفيز الأزواج على تسجيل المسكن المدعوم باسم الزوج والزوجة معا بنسب ملكية واضحة، حتى يصبح الدعم الموجه للأسرة بالفعل أصلا ماليا مشتركا للأسرة، وليس عقارا مسجلا باسم طرف واحد.

وهذا الخيار تحديدا قد يكون من أكثر الحلول اتزانا؛ لأنه يحافظ على مفهوم [دعم الأسرة] ويحقق في الوقت نفسه قدرا أكبر من الأمان الاقتصادي للطرفين.

سادسا: دراسة الأثر الاجتماعي للأنظمة السكنية بصورة دورية.

من المفيد أن تتعاون وزارة البلديات والإسكان مع الجهات الاجتماعية والبحثية لرصد العلاقة بين أنظمة الاستحقاق والتحولات الأسرية، بما فيها الزواج والطلاق والاستقلال المالي والتملك لدى النساء.

فالقرارات الكبرى لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد الوحدات التي تم تمويلها، وإنما أيضا بما أحدثته من آثار اجتماعية بعيدة المدى.
المطلقة تحتاج الدعم.. والمتزوجة أيضا لها حق في فرصة عادلة.

لا ينبغي فهم هذا الطرح على أنه اعتراض على دعم المطلقات أو الأرامل؛ فدعم المرأة التي فقدت استقرارها الأسري ضرورة اجتماعية مهمة، ومن الإيجابي أن النظام خفض مدة استحقاق المطلقة من سنتين إلى سنة ضمن التعديلات الأخيرة.
المشكلة ليست في منح المطلقة.

المشكلة التي تستحق النقاش هي: لماذا لا نبحث في الوقت نفسه عن مسار يمكّن المرأة المتزوجة من تحقيق استقلالها العقاري دون أن يكون الطلاق هو الذي يغير تصنيفها جذريا في منظومة الاستحقاق؟

فالعدالة لا تتحقق بسحب ميزة من فئة، وإنما بتطوير الخيارات لبقية الفئات.

وقد شهد تنظيم الدعم السكني بالفعل تعديلات مهمة خلال عام 2025، منها خفض سن الاستحقاق لرب الأسرة إلى 20 عاما وإلغاء بعض الاشتراطات السابقة المتعلقة بالإعالة، وهو ما يؤكد أن الأنظمة قابلة للتطوير كلما تغيرت احتياجات المجتمع.

رسالة إلى وزارة البلديات والإسكان

وزارة البلديات والإسكان حققت تحولا كبيرا في ملف التملك السكني، ولذلك فإن طرح مثل هذه القضية ينبغي أن يُقرأ بوصفه دعوة إلى استكمال النجاح لا انتقادا له.

المجتمع السعودي يتغير.

دور المرأة الاقتصادي يتغير.

أنماط تكوين الأسر تتغير.

ومفهوم الملكية والاستقلال المالي يتغير كذلك.

ولهذا قد يكون الوقت مناسبا لإعادة دراسة مفهوم <الاستحقاق الأسري> وإضافة مفهوم مواز هو “الاستحقاق الفردي للتملك الأول”، بحيث يستطيع كل مواطن ومواطنة بناء أصل سكني باسمه وفق ضوابط عادلة ومستدامة.

فالمرأة المتزوجة ليست أقل مواطنة من المطلقة، والمطلقة ليست أكثر استحقاقا لمجرد تغير حالتها الاجتماعية؛ وإنما لكل حالة ظروفها واحتياجاتها.

والغاية الأسمى يجب أن تكون:

أن تدعم الأنظمة استقرار الأسرة، وتمكّن المواطن، وتحمي المال العام في الوقت نفسه.

وحين نستطيع أن نحقق هذه المعادلة، فإننا لا نبني منازل فقط، بل نبني مجتمعا أكثر استقرارا وعدالة وأمانا للمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى