خمسون عامًا لأكتشف أن الحياة ليست كما ظننت ! .. بقلم: محمد بن حمدان الذبياني

بقلم: محمد بن حمدان الذبياني
في الثالث عشر من أكتوبر، أكملت خمسين عامًا من عمري، نصف قرن من الحياة، لم تكن جميع أيامه كما تمنيت، لكنها جميعًا أسهمت في تشكيل الإنسان الذي أصبحت عليه اليوم. ولعل ما استوقفني في هذه المحطة ليس الرقم ذاته، بل تلك المسافة الطويلة بين أحلام البدايات وحقائق التجربة، وبين ما كنا نظنه مهمًا في مقتبل العمر، وما أصبح يستحق اهتمامنا بعد أن علمتنا الأيام ما لم تعلمنا إياه الكتب.
كنت أظن أن بلوغ الخمسين يعني الوصول إلى مرحلة تتضح فيها معالم الحياة، وتقل فيها الأسئلة، وتستقر عندها الإجابات،لكنني اكتشفت أن الإنسان كلما تقدم به العمر، أدرك أن الحياة أوسع من فهمه، وأن بعض الدروس لا نتعلمها إلا بعد أن ندفع ثمنها من أعمارنا ومشاعرنا وتجاربنا.
خمسون عامًا مرّت، حملت في تفاصيلها الفرح والحزن، والنجاح والإخفاق، واللقاء والفراق،عرفت خلالها أن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها كثيرًا ما تمنحنا ما نحتاج إليه لننضج، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا كانت رحمة لم ندرك معناها إلا بعد سنوات.
ومع تقدم العمر، تصبح الذاكرة أكثر حضورًا، وتعود إلينا وجوه لم تغادر القلب وإن غابت عن العيون. ويأتي أبي، رحمه الله، في مقدمة تلك الوجوه،رحل مبكرًا لكنه ترك في داخلي من القيم والمواقف ما جعل حضوره ممتدًا في تفاصيل حياتي،وكلما تقدمت بي السنوات ازددت فهمًا لبعض ما كان يقوله ويفعله، وأدركت أن الآباء لا يرحلون فهم يبقون في ملامح أبنائهم، وفي قراراتهم، وفي القيم التي يحملونها،ولعل أعظم ما يتركه الأب ليس ما يورثه من مال بل ما يغرسه من مبادئ تصمد أمام اختبارات الحياة.
أما أمي، فقد أصبحت مع مرور السنوات أكثر حضورًا في وجداني، وأكثر ارتباطًا بمعنى الطمأنينة ومع رحلة مرضها الطويلة تعلمت أن الإنسان مهما بلغ من العمر والمكانة يبقى طفلًا أمام أمه، وأن دعاءه لها قد يحمل من المشاعر ما تعجز الكلمات عن وصفه أدركت أن الصحة نعمة عظيمة، وأن سلامة الأحبة تفوق في قيمتها كثيرًا مما نظل سنوات نسعى إلى تحقيقه،وما أغرب الحياة حين تجعلنا نكتشف بعد نصف قرن أن أعظم أمنياتنا قد تختصرها عبارة واحدة: اللهم احفظ لنا من نحب.
وفي مسيرتي المهنية، تنقلت بين تجارب العمل الأمني والتدريب والإعلام والكتابة، ووجدت في كل مجال مدرسة مختلفة تعلمت من الأمن أن المسؤولية ليست مجرد تعليمات وإجراءات، بل وعي وسلوك وأمانة، ومن التدريب أن المعرفة لا تكتمل إلا حين نشاركها الآخرين، ومن الإعلام أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حضورًا، وأن أثرها قد يتجاوز حدود اللحظة التي قيلت أو كُتبت فيها،وقد منحتني هذه التجارب فرصًا للقاء أشخاص مختلفين، والتعامل مع مواقف متعددة أدركت من خلالها أن قيمة الإنسان لا تصنعها المناصب، ولا تحفظها الألقاب، وإنما يحددها ما يتركه من أثر في نفوس من تعامل معهم.
ولم تكن السنوات مجرد رحلة عمل وإنجاز، بل كانت قبل ذلك رحلة إنسانية طويلة في فهم الناس عرفت أن الصداقة لا تقاس بطول السنوات، وأن الوفاء يظهر في المواقف لا في العبارات، وأن بعض الأشخاص يمرون في حياتنا سريعًا لكنهم يتركون أثرًا عميقًا، بينما يغيب آخرون رغم طول صحبتهم تعلمت أن أتجاوز ما لا يستحق الوقوف عنده، وأن أختار معاركي بعناية، وأن راحة البال ليست ترفًا، بل واحدة من أعظم المكاسب التي يدرك الإنسان قيمتها كلما تقدم به العمر.
وفي البيت، حيث تتلاشى الألقاب والمسميات، وجدت المعنى الأصدق للحياة فالأبناء وهم يكبرون أمام أعيننا يذكروننا بأن الزمن لا يمضي بنا وحدنا، بل بأحلامنا وامتدادنا في هذه الدنيا أصبحت أرى في نجاحاتهم سعادة مختلفة، وفي طموحاتهم مستقبلًا يستحق أن نبذل لأجله المزيد، وقد تكون ابتسامة أحدهم، أو فرحته بتكريم بسيط، أبلغ أثرًا في النفس من إنجازات مهنية كبيرة عندها ندرك أن السعادة ليست دائمًا في الأشياء التي نسعى إلى امتلاكها، بل كثيرًا ما تكون في اللحظات التي نعيشها مع من نحب.
واليوم، بعد خمسين عامًا، لم أعد أنظر إلى النجاح بالطريقة التي كنت أراها في شبابي لم تعد المسألة مرتبطة بما حققته أو بما وصلت إليه، بل بما تعلمته، وبما قدمته، وبما استطعت أن أتركه من أثر لم أعد أسأل نفسي كثيرًا: ماذا كسبت؟ بل أصبحت أسألها: ماذا أضفت؟ هل كنت سببًا في فرحة إنسان؟ هل أنصفت حين امتلكت القرار؟ هل منحت الآخرين من خبرتي ما ينفعهم؟ وهل سأترك في ذاكرتهم ما يستحق أن يُذكر بخير؟
ولا يعني بلوغ الخمسين أنني أصبحت أكثر حكمة من غيري، أو أنني تجاوزت الأخطاء والخيبات فما زلت أتعلم، وما زلت أكتشف أن بعض القناعات تحتاج إلى مراجعة، وأن الاعتراف بالخطأ شجاعة، وأن الإنسان لا يصبح أفضل لمجرد تقدمه في العمر، بل بقدرته على الاستفادة من تجاربه غير أن ما تغير في داخلي هو أنني أصبحت أكثر تصالحًا مع نفسي، وأقل اهتمامًا بما لا يضيف إلى حياتي معنى، وأكثر تقديرًا للوقت الذي لا يمكن استعادته.
لقد أدركت أن الحياة أقصر من أن نهدرها في خلافات عابرة، وأن بعض الصمت أبلغ من الرد، وأن التسامح راحة للنفس قبل أن يكون موقفًا تجاه الآخرين، وأن الإنسان حين يعرف قيمته لا يحتاج إلى أن يثبتها في كل مناسبة كما أدركت أن الأحلام لا عمر لها، وأن الشغف لا ينبغي أن يتقاعد لمجرد أن السنوات تقدمت، فما دام الإنسان قادرًا على التعلم والعطاء، فما زال أمامه متسع ليبدأ من جديد.
ولعل أهم ما علمتني إياه هذه الرحلة أن العمر لا يقاس بعدد السنوات التي عشناها، بل بما منحناه لتلك السنوات من معنى فكم من إنسان عاش طويلًا ولم يترك أثرًا، وكم من آخر كانت سنواته أقل، لكنه بقي حاضرًا بما قدمه من خير ومحبة وعطاء.
وحين أتأمل ما مضى، لا أشعر بالندم على كل ما فات، ولا أزعم الرضا عن كل ما حدث هناك قرارات كنت أتمنى لو اتخذتها بطريقة مختلفة، وفرص ربما لم أحسن استثمارها، وأشخاص تمنيت لو منحتهم وقتًا أطول، وكلمات كان ينبغي أن أقولها قبل أن يفوت أوانها لكنني تعلمت ألا أجعل الماضي سجنًا للحاضر، وأن أتعامل مع ما حدث بوصفه جزءًا من تجربتي، لا حكمًا نهائيًا على مستقبلي.
أما ما تبقى من العمر، فلا أعلم مقداره، ولا أريد أن أنشغل بحسابه بقدر ما أريد أن أحسن استثماره أتمنى أن تكون سنواتي القادمة أكثر قربًا إلى الله، وأكثر وفاءً لأسرتي وأحبتي، وأكثر هدوءًا ورضا، وأن أواصل العمل والكتابة والعطاء ما دامت لدي القدرة على أن أضيف شيئًا نافعًا لهذه الحياة.
بعد خمسين عامًا، لم أعد أبحث عن حياة مبهرة بقدر ما أبحث عن حياة مطمئنة، ولا عن اسم يتردد كثيرًا بقدر ما أرجو أثرًا يبقى جميلًا أصبحت أكثر يقينًا أن الإنسان لا يأخذ معه من الدنيا ما جمعه، وإنما يترك خلفه ما صنعه من خير، وما غرسه من قيم، وما منحه للآخرين من محبة.
واليوم، وأنا أعبر عتبة النصف قرن، أجد أن السؤال الأهم ليس كيف مضت خمسون عامًا من عمري؟ بل: كيف سأعيش ما بقي منه بما يستحق أن يُروى؟
فما زالت في القلب أحلام لم تتحقق، وأفكار تنتظر أن ترى النور، وكلمات لم تُكتب بعد، وأمنيات أرجو أن يكتب الله لها التمام.
خمسون عامًا مضت، تغيرت خلالها أشياء كثيرة، وتبدلت وجوه وظروف وقناعات، لكن شيئًا واحدًا ما زال يسكن داخلي الإيمان بأن الغد قد يحمل فرصة أجمل، وأن الإنسان مهما بلغ من العمر يظل قادرًا على أن يتعلم، وأن يحب وأن يمنح الحياة شيئًا من روحه.
لقد أمضيت نصف قرن أتعلم كيف أعيش، وأرجو أن أمضي ما بقي من عمري وأنا أتعلم كيف أترك أثرًا طيبًا.
اللهم ارحم من سبقونا إليك، واشفِ من نحب، وبارك لنا في أهلنا وأعمارنا، واجعل ما بقي خيرًا مما مضى، وارزقنا حسن الأثر وحسن الختام.
القاكم ..

