الكتاب

فضفضة متقاعد (4) لفت نظر .. بقلم | محمد الغامدي

لفت نظر

بقلم | محمد الغامدي

طوال سنوات العمل كانت علاقتي بالمنبه متوترة إلى حد بعيد، فهو بالنسبة لي لم يكن مجرد وسيلة لإيقاظي، بل خصمًا يداهمني كل صباح في أكثر لحظاتي ضعفًا، فحين يرن أشعر أنني لم أنم بما يكفي، رغم أنني أكون قد قضيت في النوم خمس أو ست ساعات، أمد يدي إليه متثاقلًا لأخرسه، ثم أخرج إلى عملي وأنا أحمل معي بقايا النعاس وسوء المزاج، ويزداد الأمر صعوبة في الشتاء حين يكون الفراش أكثر دفئًا والشارع أكثر برودة!

بعد التحرر من الوظيفة انقلبت المعادلة تمامًا، أصبحت أستيقظ مبكرًا من تلقاء نفسي، وأحيانًا لا أكون قد نمت إلا ساعتين أو نحو ذلك، ومع ذلك لا أشعر بذلك الثقل الذي كان يلازمني أيام العمل، أجلس بهدوء وأرتشف أول كوب من الشاي، وأجد في الصباح متعة لم أكن أراها من قبل، الأمر الذي جعلني أشك أن المشكلة لم تكن في عدد ساعات النوم وحدها، بل في ذلك الموعد الذي كان ينتظرني كل صباح، إذ يبدو أن النفس البشرية تتعب من فكرة الالتزام أكثر مما تتعب من العمل نفسه!

فما إن يزول إحساس أن المنبه يطاردك والمكتب ينتظرك حتى يصبح الاستيقاظ أمرًا عاديًا، بل ممتعًا في كثير من الأيام، والطريف أنني أحاول أحيانًا العودة إلى النوم، لا لأنني بحاجة إليه، وإنما بدافع العادة القديمة، أو ربما بشيء من الانتقام، لكنه يتمنع وكأنه يقول لي: ( الآن تذكرتني؟! )

بعد التقاعد لم يعد صباحي يخوض سباقًا مع الساعة، ولم أعد أفكر في الطريق وسجل الحضور وما ينتظرني على الطاولة، وزال ذلك الشعور بأن هناك من يترقب تأخري أو يتحين فرصة تكريمي بـ(لفت نظر)! وأصبح لدي وقت لأجلس وأراقب الضوء وهو يتسلل رويدًا رويدًا حتى يغمر المكان.

اكتشفت أيضًا أن للصباح طقوسًا جهلتها سنين، وأن لكل إشراقة وجهها الفريد، فإشراقة الشتاء لا تشبه بنت الصيف، وإشراقة البحر تختلف عن انبثاق الضوء في البر أو تسلله بين الجبال، وحتى حين تناكفها الغيوم في موسمها يكون لها رونقها المهيب!

ربما لأنني بطبعي أهوى البدايات وأميل إليها أكثر من النهايات، وجدت في الإشراقة شيئًا يشبهني، فهي بداية يوم جديد، وأمل يتجدد، وأبواب مفتوحة لكل الاحتمالات، وأظن أن هناك كثيرين مثلي، وهذا لا يعني أنني أصادر حق عشاق الغروب أو أزهد في جماله، فلكل إنسان مزاجه وللغروب بالقطع مريدوه، لكنني سأظل منحازًا للبدايات، وما أمتع بدايات الأشياء، كل الأشياء!

‫7 تعليقات

  1. جميل ما تسطره أستاذ محمد، ولنا شغف في أن نرى هذه المذكرات الرائعة بين دفتي كتاب.
    كل التوفيق أيها الأستاذ والأديب الجميل.

    1. أسعدني تعليقك يا أستاذ سعد، وأسعدني أكثر أن ينضم قاص وروائي مثلك إلى كوكبة كتّاب «جيل اليوم».. حضورك الأدبي إضافة جميلة، ووجودك بيننا يسعدني ويشرّفني.

  2. لقد كنت مثالا للموظف الكفء الناجح و قد كنت و لا أزال فخوراً بك لأنك كنت صورة مشرفة و مشرقة لإبن الوطن

  3. ما شاء الله اسلوب رائع وسلس حروف تنبع من خواطر عشناها بكل تفاصيلها
    لك الشكر والتقدير أخي محمد

  4. كلام جميل جدا من كاتبنا الراقي
    انه شعور السعادة بالتحرر من القيود ، ومن لا يعشق الحريه؟
    دمت ودام قلمك وسلم بنانك
    تقبل تحياتي وتقديري

  5. الالتزام جزء من فطرة الإنسان، لكنه يتبدّل شكله بين مراحل الحياة. فالصباح بعد التقاعد لا يصبح أجمل لأنه بلا عمل، بل لأنه بلا ذلك الاستنفار الداخلي الذي كان يثقل الروح. يظل الإنسان منضبطًا، لكن انضباطه يتحوّل من واجبٍ مفروض إلى اختيارٍ هادئ.

    لقد كتبتَ يا أستاذ بروح شفّافة، وأجدتَ تصوير هذا التحوّل بلغة جميلة، خاصة حين جعلتَ إشراقات الصباح كائنات لها شخصيات مختلفة.

  6. أسعدتني تعليقاتكم وكلماتكم الجميلة كثيرًا.. شكرًا لكم و لكل من قرأ وعلّق وشارك رأيه هنا و هناك ، و هذا بالتأكيد يعني لي الكثير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى