فضفضة متقاعد (١) .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي
[ المتهم البريء ]كنت ولا أزال من عشاق الشاي لكنني طوال سنوات العمل كنت أفرض على نفسي حظرًا صارمًا يبدأ من الخامسة مساءً.
وكنت أتعامل مع ذاك الكوب كما لو أنه عدو لدود للنوم فإذا اضطررت لشربه في عزومة أو مناسبة متأخرة دخلت في صراع طويل مع الوسادة وأظل أراقب عقارب الساعة أكثر مما أغمض عيني ثم أستقبل الصباح متثاقلًا وبكثير من التذمر.
ولذلك حين اتخذت قراري بالتقاعد المبكر كانت من بين الأمنيات الصغيرة التي أرددها لنفسي وللمقربين أنني الآن سأشرب الشاي في أي وقت أشاء ولن أخشى أرقًا ولا تأخرًا عن دوام ولا لوم مدير .
لكنني اكتشفت بعد التقاعد أنني كنت أظلم الشاي سنوات طويلة فلم يكن ذاك الكوب الأخير هو الذي يسلبني النوم بل كانت أول فكرة عن دوام الغد كانت المسؤولية والانشغال والخوف الخفي من التأخر هي التي تبقيني مستيقظًا أما الشاي فلم يكن سوى متهم بريء حملته أوزار قلقي سنوات طوال الشاي لم يتغير بعد التقاعد الذي تغير هو أنا فالفرق بين شاي الوظيفة وشاي الحرية أن الأول كان يأتي محملًا بهموم الغد. أما الثاني فيأتي بلا موعد ولا حساب قبل التقاعد كانت الساعة الحادية عشرة ليلًا صفارة إنذار تسألني لماذا لم أنم بعد أما الآن فهي مجرد ساعة مناسبة لكأس شاي آخر واليوم قد أنهي كأسي الأخير عند الحادية عشرة ليلًا ولا يحدث شيء لا أرق ولا قلق ولا عيون تراقب عقارب الساعة فقط شاي ( مُخدّر ) وليل أكثر هدوءًا ثم رحلة مسترخية باتجاه (سابع نومة).
يتبع…



الحقيقة أن المتهم الحقيقي و غير البريء في كثير من القطاعات هو الرئيس المباشر فكثير منهم هداهم الله تأخذهم العزة بالإثم و يصنعون من الحبة قبة و لا يقدرون الجهود و لا يراعون الجانب الإنساني في العمل مما يجعله بيئة طاردة و منفرة و مخيفة حتى مع أفضل الموظفين جدية و إخلاصا و انتماء
كوب الشاي يُحمَّل ما لا يحتمل، ويُتهم بأنه سبب الأرق، بينما
الحقيقة أن العقل كان يعمل طوال الوقت بنظام “الطوارئ” في حياة الموظف المنضبط . وبعد التقاعد، حين انطفأت صفّارات المسؤولية، بقي الشاي كما هو… لكن الإنسان تغيّر.
الأشياء في جوهرها ليست مرهقة، بل نحن الذين نُرهقها بما نحمله في داخلنا. فالقلق هو الذي يغيّر طعم الشاي، لا الكافيين.
طبيعة الموظف المنضبط: هو لا يخشى المدير، بل يخشى أن يخلّ بنظامه الداخلي. الانضباط يتحول إلى جزء من شخصيته، فيحمّله أعباء لا يشعر بها غيره.
وحين يسقط هذا الحمل بعد التقاعد، يكتشف الإنسان أن كثيرًا من “الأعداء” لم يكونوا سوى ظلال صنعتها المسؤولية، وأن ما كان يظنه مصدرًا للأرق لم يكن إلا متهمًا بريئًا في قضية القلق.