فضفضة متقاعد ٢ .. بقلم | محمد الغامدي

بقلم | محمد الغامدي
مدير الصالة
على مدى عقود من العمل تشكّلت شخصيتي وسلوكي اليومي داخل قالب إداري منضبط كانت فيه الكلمةش مسموعة والتعليمات نافذة بحكم سلطة المنصب وأحيانًا المجاملة.
وكنت أظن أنني عندما أتقاعد سأخلع هذه القبعة على باب المنزل لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا إذ يبدو أن المدير انتقل بكل عاداته إلى صالة المعيشة.
وربما لأن العمل كان يلتهم معظم ساعات يومي لم يكن أحد يلتفت إلى تلك الطباع كما حدث بعد التقاعد.
في الأيام الأولى كنت أتعامل بالأسلوب الذي اعتدته في العمل وأفترض أن الأمور تُدار بالطريقة نفسها لذلك كان يدهشني ذلك الامتعاض الصامت وتلك النظرات المتسائلة التي ألمحها في وجوه أفراد عائلتي وهم يرون كائنًا جديدًا احتل أريكة الصالة ويبحث عن شيء يتفقد سير العمل فيه.
ولم يمض وقت طويل حتى اكتشفت في لحظة ( مهاوشة ) أن هناك خطة احتواء طارئة اتُّفق عليها بغيابي مضمونها التواصي بالصبر والسلوان والالتزام بخطة عائلية للتعامل مع المتقاعد الذي يمر حسب الشائعات بأزمة فراغ وتغير في السلوك وأن الواجب الإنساني يتطلب تحمله وتمرير شطحاته لوجه الله.
الغريب أنني لم أكن أشعر بأي أزمة فقد كنت أظن أن الحياة تسير بمرونة إلى أن بدأت أسمع عبارات لم تكن مدرجة في قاموسنا العائلي من قبيل :
ريح ملائكتك
اطلع غيّر جو
وصولًا إلى العبارة الأكثر ديمقراطية:
( ما ودك تروح عند أحد من أخوياك؟ )
ومع توالي الأيام وتصاعد الجدال بدأت أدرك حجم المعاناة المتبادلة.
هم يحاولون التعايش مع كائن جُرّد من مهامه فراح يدير دواليب المطبخ وكنب المجلس وأنا أحاول العثور على مكان لي في عالم لم أعتد بعد تفاصيله.
ولم يطل الوقت حتى اكتشفنا أن الحل ليس في أن ينتصر أحدنا على الآخر بل في أن يتنازل كل منا قليلًا.
اليوم وبرغم أنني وقّعت على وثيقة الهدنة وشروط التعايش الجديد إلا أن هناك صوتًا خافتًا في أعماقي ما زال يلاحقني خصوصًا في لحظات الانفراد وما أكثرها :
أنا المدير
أنا المدير
أنا المديييير
وأجزم أن لو سمعه أحد منهم لقال دون تردد
( يا عمي ريّحنا )


