الكتاب

لا تقسوا على الوالدين … بقلم | جابر الحريصي

يُحمِّل كثير من الناس الوالدين كامل المسؤولية عن شخصية الأبناء وسلوكهم، حتى أصبح أي خلل أو صعوبة يمر بها الابن يُفسَّر مباشرة بأنه “فشل في التربية”. لكن الحقيقة الإنسانية والنفسية أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فالشخصية الإنسان لا تُبنى بالتربية وحدها، بل تتداخل فيها عوامل متعددة، من أهمها: الجينات والبيئة والمرحلة العمرية، إضافة إلى الاختيار الشخصي لكل إنسان.

فالطفل لا يولد صفحة بيضاء بالكامل، بل يأتي إلى الحياة وهو يحمل استعدادات فطرية وسمات نفسية مختلفة،هناك طفل هادئ بطبعه، وآخر سريع الانفعال، وثالث شديد الحساسية أو العناد، رغم أنهم قد يعيشون في المنزل نفسه وتحت الأسلوب التربوي ذاته. وقد أثبتت الدراسات النفسية أن بعض الصفات الشخصية تتأثر بالعوامل الوراثية مايسمى(الاستعداد الوراثي)مما يعني أن التربية ليست العامل الوحيد في تشكيل السلوك.

كما أن البيئة المحيطة تؤثر بشكل كبير في الأبناء فالمدرسةوالأصدقاءووسائل التواصل والمجتمع والتجارب التي يمر بها الفرد كلها تسهم في تكوين شخصيته أحيانًا يبذل الوالدان جهدًا تربويًا عظيمًا لكن الابن يتأثر ببيئة خارجية أقوى حضورًا في مرحلة معينة من حياته.

ولا يمكن إغفال أثر المرحلة العمريةالطفولة فيها العناد والصراخ والغضب وحب الاكتشاف وحب التملك وفرط الحركة وتشتت الانتباه وصعوبات التعلم والغيرة بين الأخوة مرحلة المراهقة التي تشهد تغيرات نفسية وهرمونية وعاطفية كبيرة، فيظهر خلالها التمرد أو التقلب أو العناد بشكل طبيعي نسبيًا، والرغبة للاستقلال والحساسية لنقد الوالدين والمعلمين وبداية البلوغ والتأثر الكبير بالاصدقاء حتى لدى الأبناء الذين نشؤوا في أسر مستقرة ومتزنة. لذلك فبعض السلوكيات قد تكون جزءًا من النمو النفسي، وليست دليلًا على سوء التربية.

ولعل قصص الأنبياء تقدم أوضح دليل على أن صلاح الوالدين لا يعني بالضرورة تشابه الأبناء أو استقامتهم الكاملة. فـ نوح عليه السلام كان نبيًا كريمًا بذل سنوات طويلة في الدعوة والإصلاح، ومع ذلك رفض ابنه الإيمان واختار طريقًا مختلفًا.
وهذا يدل على أن الإنسان يملك إرادة واختيارًا مستقلًا وأن الهداية ليست مرتبطة بالتربية وحدها.

وكذلك يعقوب عليه السلام، وهو نبي عظيم ومربٍّ صالح، ومع ذلك وقع بعض أبنائه في الغيرة والحسد تجاه أخيهم يوسف عليه السلام حتى ألقوه في البئر. ورغم أنهم تربوا في بيت نبي، إلا أن المشاعر الإنسانية والصراعات النفسية أثرت في تصرفاتهم.

وفي المقابل نجد نماذج معاكسة تؤكد أن البيئة الأسرية ليست العامل الوحيد كذلك؛ فـ آسية بنت مزاحم كانت امرأة مؤمنة وصالحة رغم أنها عاشت مع فرعون المعروف بطغيانه وكفره. وهذا يوضح أن الإنسان قد يختار طريق الخير رغم قسوة البيئة المحيطة به.

إن التربية تبقى حجر الأساس في بناء القيم والأخلاق، لكنها ليست العامل الوحيد الذي يصنع الإنسان. فالشخصية الإنسانية نتاج تفاعل معقد بين الوراثة، والبيئة، والتجارب، والعمر، والاختيارات الشخصية. لذلك من الظلم أن نختزل سلوك الأبناء كله في أخطاء الوالدين، أو أن نحاكم الآباء من خلال تصرفات أبنائهم فقط.

والفهم المتوازن لهذه القضية يجعلنا أكثر وعيًا ورحمة وعدلًا في نظرتنا للأسرة والأبناء.

جابر الحريصي

أخصائي نفسي وتربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى