الكتاب

ماذا تأكل عيناك؟ .. تهاني سعود الزهراني

أكثر شخص أعرفه يخاف على صحته… يخاف على معدته فقط.

لدي صديقة لا يمكن أن تشرب علبة عصير قبل أن تقرأ مكوناتها. تقلبها بين يديها، تبحث عن كمية السكر، وتقرأ تاريخ الصلاحية، وإذا لم يعجبها شيء، تعيدها إلى الرف وكأنها لم ترها.

وفي أحد الاجتماعات، قُدمت لنا بعض الحلويات، فابتسمت وقالت:

“لا أحب أن يدخل جسمي شيء لا أعرفه.”

أعجبتني.

بل احترمت هذا الحرص.

لكن بعد دقائق، أخرجت هاتفها، وبدأت تتنقل بين المقاطع بسرعة. مقطع يضحكها… وآخر يغضبها… وثالث يثير فضولها… ورابع لا تعرف لماذا شاهدته أصلًا.

ابتسمت مرة أخرى…

وقلت في نفسي:

لو كانت الأفكار تُكتب على ظهر الإنسان كما تُكتب مكونات العصير… لقرأناها أيضًا قبل أن نسمح لها بالدخول.

في تلك اللحظة، جاءني سؤال لم يفارقني إلى اليوم…

لماذا نهتم كثيرًا بما يدخل أفواهنا، ولا نهتم بالقدر نفسه بما يدخل عيوننا؟

نخاف من وجبة قد تضر أجسادنا…

لكننا لا نخاف من فكرة قد تبقى في عقولنا سنوات.

وربما لهذا السبب ظل الناس، منذ زمن بعيد، يربطون بين الطعام والطباع.

يقول البعض إن كثرة السمك تجعل صاحبه حاضر الذهن وسريع البديهة وربما يراوغ مثل السمكة ، وإن كثرة الدجاج تجعل الإنسان أقل ميلًا للمواجهة. ويعتقد بعض الناس أن الغنم مدرسة في الهدوء والصبر، ويستدلون بأن الأنبياء عليهم السلام رعوا الغنم، وكأنها كانت تهيئهم لقيادة الناس بالحلم والرحمة.

ويقول بعض أهل العلم إن من الحكم التي ذُكرت في الأمر بالوضوء بعد أكل لحم الإبل أن الإبل عُرفت بالقوة والشدة، وأن الوضوء يعيد إلى النفس هدوءها، بينما يرى آخرون أن الحكمة قد لا نحيط بها كاملة.

لا أدري…

كم في هذه الأقوال من الحقيقة…وكم فيها من المبالغة.

لكنني خرجت منها بفكرة واحدة لا أكاد أشك فيها…

أن ما يدخل الإنسان… يترك أثرًا فيه.

وهنا توقفت طويلًا…

إذا كانت لقمة واحدة تستحق كل هذا الاهتمام…

فماذا عن مئات اللقم التي تدخل أعيننا كل يوم؟

نحن لا نعيش بما نأكل فقط… بل بما نكرر النظر إليه.

كلما فتحت هاتفك…

تخيل أنك جلست على مائدة كبيرة.

لكن الطاهي لا يطبخ الطعام…

بل يطبخ الأفكار.

طبق اسمه المقارنة.وطبق اسمه الخوف.

وطبق اسمه السخرية.وطبق اسمه الغضب.

وأنت، دون أن تشعر، تتذوق منها جميعًا.

ثم تغلق هاتفك…

وتظن أنك كما كنت.

لكن الحقيقة…

أن العين أيضًا تأكل.

قد لا تمضغ الطعام…

لكنها تمضغ الصور.

وتبتلع الأفكار.

وتخزن المشاهد.

ثم، بعد أيام أو سنوات، تتحدث بها على أنها رأيك، وتدافع عنها على أنها قناعتك، وربما تبني عليها قراراتك كلها.

كم من طفل كبر وهو يخاف من زوجة الأب قبل أن يقابلها؟

وكم من فتاة أصبحت ترى نفسها أقل جمالًا لأنها صدقت صورة لا تشبه الواقع؟

وكم من شاب ظن أن الرجولة تعني الغضب، لأن هذا ما صفق له الناس على الشاشة؟

الأفكار لا تدخل العقل وهي تصرخ…

إنها تدخل وهي تبتسم.

ثم تبقى.

ثم تكبر.

ثم تصبح جزءًا منك.

ولهذا أصبحت أغيّر سؤالًا بسيطًا في بيتي.

لم أعد أسأل أبنائي دائمًا:

“ماذا أكلتم اليوم؟”

بل صرت أسألهم:

“بماذا غذّيتم عقولكم اليوم؟”

وأحيانًا، عندما أراهم يشاهدون برامج التلفاز، أبتسم وأقول:

“هل هذه وجبة تستحق أن أُطعمها لعقلي؟”

قد يضحكون…

لكنني مؤمنة أن هذا السؤال سيكبر معهم.

وربما يحميهم يومًا أكثر من محاضرة طويلة.

ومنذ ذلك اليوم…

أصبحت أنا أيضًا، قبل أن أشاهد أي شيء، أسأل نفسي السؤال نفسه…

هل أقبل أن أُطعم عقلي هذه الوجبة؟

فقد نختار طعام أجسادنا بعناية…

لكن مستقبلنا، في كثير من الأحيان، تصنعه الوجبات التي تأكلها أعيننا.

وأنت… ماذا ستأكل عيناك اليوم؟

بقلم:

تهاني سعود الزهراني

أكتب لأفتح نافذة… وأترك لك سؤالًا قد يغيّر نظرتك إلى الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى